المواد الخطيرة في مصفاة البداوي… نسيان الى حين الانفجار؟

إسراء ديب

لا تتفاعل القوى الرسميّة، الوطنية منها والطرابلسية كما يلزم، مع الخطر الكبير الذي يُحيط بمدينة طرابلس مع إهمالها لملف المواد الخطيرة الموجودة والمخزّنة منذ أعوام في 75 حاوية ضمن مصفاة البداوي، فهذه المواد التي كشفتها تقارير أجنبية وحذّرت منها أخرى محلّية، تحتوي على أخطر المواد الكيميائية والمشعّة التي لم تحثّ القوى المعنية حتّى اللحظة على ضرورة التحرّك ونقلها إلى مكان آمن يبعد عن منشآت النّفط في البدّاوي أو شركة نفط العراق (IPC)، أيّ “الشريان” المعطّلة في المدينة.

وفي وقتٍ يتّهم فيه المعنيون وزارة الطاقة بأنّها “تلكّأت” عن إبرام مناقصة حتّى بعد معرفتها منذ العام 2021 بخطورة هذه المواد، لا سيما في ظلّ تهديدات “مفتوحة” مرتبطة إمّا باعتداء إسرائيلي قد يحدث في أيّ لحظة، أو بسبب الحريق الذي حصل منذ أسبوع تقريباً بالقرب من المنشآت، يتساءل مراقبون عن سبب “المماطلة” في الاجراءات التي لا بدّ من اتخاذها على “وجه السرعة” في الوزارة، وتمسّكها بأهمّية إجراء مناقصة لترحيل المواد من دون أخذها في الاعتبار سوء “التوقيت”.

وعلى الرّغم من سماح هيئة “الشراء العام” في بيانها بإمكان تعاقد الوزارة مباشرة لإجراء مناقصة، إذْ جاء حرفياً أنّه: “في حال كانت المواد موضوع هذه المناقصة من الخطورة بمكان بحيث لا يحتمل ترحيلها التأجيل، وذلك على مسؤولية الجهة الشارية دون سواها وفقاً لقواعد الاختصاص، فبإمكان هذه الجهة اللجوء إلى التعاقد المباشر وفقاً لأحكام المادّة 46 من قانون الشراء العام”، لا تزال العراقيل الرسمية موجودة مع أنّها غير مبرّرة.

حسب الوزارة، فقد أجريت مناقصات عدّة منذ العام 2022، رست إحداها على شركة Garco الايطالية، حين أعطى الوزير إذناً خاصّاً لأخذ عيّنات من حرم المنشآت، وقيل إنّه أرسل كتباً إلى المعنيين، لكن الوزارة عانت من “تلكؤ” الشركة الأجنبية مرات عدّة عند تنفيذ بندود العقد، فأرسلت إنذارات بلا جدوى، ما أدّى إلى فسخه، وبتاريخ 15 كانون الثاني 2024، أجريت مناقصة جديدة، أعيدت بتاريخ 15 شباط، كما في 26 شباط، لكنّها لم تتلقَّ عدداً كافياً من العارضين، لتُجري الوزارة مناقصة أخرى استشارت فيها الهيئة لترسو على شركة، وأكّدت أنّها ستفضّ عروضها بتاريخ 12 آذار، لكنّ المناقصة لم تنجح وفق معطيات “لبنان الكبير”، كما لم تُرافقها مناقصات جديدة لحلّ الأزمة.

وتُشير المعطيات الى أن “المعنيين طلبوا من رئيس بلدية البداوي حسن غمراوي بكتاب رسميّ ورد من وزارة الدّاخلية في 2 أيّار 2024 عطفاً على إحالات سابقة، حماية هذه المواد عبر تغطيتها بطرق مناسبة كي لا تحترق أو تتعرّض لأيّ اعتداء، في ظلّ غياب متخصّصين في المنطقة يتمكّنون من القيام بهذه الخطوة”، وذلك عبر طلبها “الاطّلاع وتكليف من يلزم اتخاذ الاجراءات اللازمة لحفظ الأمن والسلامة في محيط المنشآت وإجراء المقتضى إلى حين بدء عملية توضيب المواد الكيمياوية وترحيلها”، مع العلم أنّها كانت أرسلت في 26 شباط وثيقة إحالة عبر الأمن المركزي إلى محافظ طرابلس والشمال القاضي رمزي نهرا الذي أرسل بدوره هذا الكتاب إلى البلدية في البداوي وتُكلّف من يلزم “إجراء المقتضى واتخاذ الاجراءات الاحتياطية اللازمة كافة بالتنسيق مع القطعة الأمنية المختصّة حفاظاً على السلامة، ريثما يتمّ ترحيل المواد من الشركة المتعهّدة”.

الملف الذي كُشف بعد تفجير مرفأ بيروت في العام 2020، وتحديداً بعد رصد أجرته شركة ألمانية وهي “كومبي لفت – Combi Lift” بالاشتراك مع دائرة الهندسة في الجيش اللبناني، على منشآت في البلاد ومنها المصفاة، بغية الحدّ من مواد الخطيرة أو القابلة للاشتعال بعد الكارثة التي أحدثها تفجير المرفأ، أكّد في تقارير رسمية كان كشف عنها “لبنان الكبير” وجود مواد قديمة وغير صالحة للاستخدام، وضعت إمّا في حرب تمّوز 2006 (كما رجّحت المصادر) أو منذ الأزمة السورية 2011، منها كيميائية مشعّة وخطيرة، وأخرى نووية (تتفاوت درجة خطورتها بين متوسّطة وشديدة الخطورة)، لافتة إلى ضرورة ترحيلها عبر شركات متخصّصة بالنفايات وكيفية نقلها، وهذا ما لم يحدث حتّى اللحظة، مع العلم أنّ غمراوي كان أرسل كتباً إلى وزارة الطاقة مسبقاً، لكنّها لم تتفاعل معها إلّا بعد “الهجمة” الاعلامية التي حدثت منذ أشهر ودفعتها إلى نشر بيانها، فيما تلفت المعطيات إلى أنّ الخلاف يبقى مادّياً بين الطرفين (الوزارة والشركة المتعهّدة).

شارك المقال