وجبت الإشارة إلى أن تعريف “آل البيت” مختلف عليه بين علماء الإسلام اختلافاً حميداً، إذ نجد فيه سبع تعريفات:
– الأول: الذين حرمت عليهم الصدقة (بنو هاشم وبنو عبدالمطلب).
– الثاني: أزواج النبي وذريته.
– الثالث: أمهات المؤمنين خاصة.
– الرابع: أصحاب الكساء خاصة.
– الخامس: أمته وأتباعه إلى يوم القيامة.
– السادس: الأتقياء من أمته.
– السابع: التمييز بين “أهل البيت” وهم قرابة الدم، و”آل البيت” وهم أهل المحبة والاتباع، ومما يدل على ذلك دعاء الصالحين ومنهم عبدالسلام بن مشيش: “اللهم ألحقني بنسبه وحققني بحسبه”. وهنا من الضروري لفت النظر إلى أن مصطلح “آهل البيت” ورد في القرآن والسنة، أما مصطلح الـ “آل” فقد ورد في الصلاة الإبراهيمية ولم يرد في القرآن.
والحقيقة، أن كل تعريف من هذه التعريفات له وجاهته:
– قال تعالى: “النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ”. وقال: “وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا”، وهاتان الآيتان تؤكدان أن أمهات المؤمنين – رضي الله عنهن – من صلب أهل البيت، ولكن استخدام ميم الجمع في الآية الثانية بدلاً من نون النسوة في “عنكم” يشير إلى وجود آخرين، قال الألباني: “وأهل بيته في الأصل: هم نِساؤه صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وفيهنَّ الصِّدِّيقةُ عائشةُ رضي الله عنهن جميعاً… وتخصيص الشِّيعة (أهل البيت) في الآية بعليٍّ وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، دون نِسائه صلَّى الله عليه وسلَّمَ من تحريفهم لآياتِ الله تعالى؛ انتصاراً لأهوائهم”.
– حديث الكساء: عن صفية بنت شيبة، قالت: قالت عائشة: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل، من شعر أسود، “فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}.
– حين قامت الدعوة لبني العباس أواخر دولة بني أمية، كان شعار الدعوة “الرضا من آل محمد”، ولم يستنكر الناس ذلك، وهذا يعني اعتبار بني هاشم وبني عبدالمطلب من آل محمد دون تفرقة بينهم.
وتجدر الإشارة إلى نصوص ووقائع أخرى، لا تحصر بيت النبوة بالنسب:
– حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “سلمان منا أهل البيت”، أي سلمان الفارسي.
– أشارت كتب السيرة إلى أن مولى النبي، زيد بن حارثة، كان يسمى زيد بن محمد، وكان الصحابة يسمون ابنه أسامة – رضي الله عنهما – “الحب ابن الحب”، ولم يكن النبي يفرق بين حبه لحفيده الحسن، وحبه لأسامة، حيث كانا متقاربين في السن، وكان عليه الصلاة والسلام يأخذ الحسن ويضعه على إحدى فخذيه، ويضع أسامة على فخذه الأخرى، ويضمهما معاً على صدره، قائلاً: “اللهم إني أحبهما فأحبهما”. وورد عن النبي الدعاء نفسه عن الحسن والحسين في موضع آخر. وحالة زيد بن حارثة – رضي الله عنه – والذي كرّمه القرآن بذكر اسمه، تستدعي التأمل في المكانة الجليلة لموالي النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم – رضوان الله عليهم – أنس بن مالك.
– كل زائر للنبي محمد في المسجد، سيلاحظ أن بجواره في الحجرة النبوية سيدنا أبو بكر الصديق وسيدنا عمر بن الخطاب، وهذا يعني أن الشيخين ليسا فقط من آل البيت بحكم المصاهرة النبوية بل هما من أهل الحجرة.
– حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “أنا جدّ كل تقي”.
– قول النبي اللأنصار: “أفَلا تَرضَونَ يا مَعشرَ الأنصارِ أن يذهبَ النَّاسُ إلى رِحالِهِم بالشَّاءِ والبَعيرِ وتذهَبونَ برسولِ اللهِ إلى رِحالِكُم؟ فَوَالَّذي نَفسي بيدِهِ، لَو أنَّ النَّاسَ سَلَكوا شِعبًا وسَلَكتِ الأنصارُ شِعبًا، لسَلَكتُ شِعبَ الأنصارِ، ولَولا الهجرةُ لكُنتُ امْرَأً مِن الأنصارِ. اللَّهمَّ ارحَمْ الأنصارَ، وأبناءَ الأنصارِ، وأبناءَ أبناءِ الأنصارِ”.
ومع إثبات قطعية أن أمهات المؤمنين من أهل البيت، وكذلك أبناء وبنات النبي جميعاً، وسيدنا علي وولداه الحسن والحسين وكل أحفاد النبي، إلا أنه من الملاحظ في بعض الأدبيات الإهمال الواضح لمقام أمهات المؤمنين – رضي الله عنهن – رغم النص القرآني الصريح، وإهمال بقية أبناء وبنات النبي – صلى الله عليه وسلم -: زينب ورقية وأم كلثوم والقاسم وعبدالله وإبراهيم عليهم السلام.
وهناك إهمال للصحابي (الملقب بالأمين) سيدنا القاسم أبو العاص بن الربيع – رضي الله عنه – زوج زينب – رضي الله عنها – وهو من النبلاء والأفاضل قبل الإسلام وبعده ومدحه النبي في غير موقع: “حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي”، وطال الإهمال ابنته حفيدة النبي (أمامة) التي كفلها جدها بعد وفاة أمها وأحبها حباً جماً، فقد روت أم المؤمنين عائشة: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ فِيهَا قِلادَةٌ مِنْ جَزْعٍ، فَقَالَ: لأَدْفَعَنَّهَا إِلَى أَحَبِّ أَهْلِي إِلَيَّ. فَقَالَ النِّسَاءُ: ذَهَبَتْ بِهَا ابْنَةُ أَبِي قُحَافَةَ. فَدَعَا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامة بِنْتُ زَيْنَبَ فَأَعْلَقَهَا فِي عُنُقِهَا”، وهناك روايات تقول بأن سيدنا عليّاً – عليه السلام – تزوج أمامة بعد وفاة المطهرة البتول.
وطال الإهمال سيدنا عثمان بن عفان – رضي الله عنه – الذي تزوج اثنتين من بنات النبي، وورد فيه الحديث: “زوجوا عثمان، لو كان لي ثالثة لزوجته، وما زوجته إلا بالوحي من الله”، وقال فيه أيضاً: “إن الملائكة لتستحي من عثمان كما تستحي من الله ورسوله”، وقال كذلك: “عثمان من أشبه أصحابي بي خلقاً”.
وهذه الإهمالات السابقة، إن كانت صحيحة، وإن كانت مقصودة، فيغلب الظن أن هدفها تعزيز نظرية “الإمامة” بالمعنى السياسي التي اختصت بها الطوائف الشيعية دوناً عن المسلمين، بلا أصل ديني، وهنا يجب الحذر من روايات شيعية (بالمعنى السياسي لا الطائفي) تسللت إلى كتب التاريخ، يؤدي تبنيها إلى تكفير الصحابة أو تفسيقهم، مع أن القرآن الكريم أشاد بهم في أكثر من 100 موضع منها:
– “يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين”.
– “والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه”.
– “لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة”.
– “الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون”.
– “والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم”.
– ثم تأتي آية سورة الفتح “محمد رسول الله والذين معه …” التي تقول إن فضل الصحابة وارد وثابت في التوراة والإنجيل والقرآن.
والحقيقة، أن النصوص الصحيحة ثابتة في فضل المهاجرين وفضل الأنصار وفضل أهل بيت النبي، وهي نصوص تكمل بعضها بعضاً، وتتداخل مع بعضها البعض، ولا معنى لإظهار بعضها وتغييب بعضها الآخر إلا الهوى والعصبية، وهذا التداخل بين أهل وآل البيت وبين بقية الصحابة تداخل محمود، إذ جمعتهم قريش وجمعتهم المصاهرة وجمعتهم المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وقبل كل ذلك جمعتهم الصحبة في الإسلام وأخوة الإيمان، إذ ان الآيات التي مدحت الصحابة في القرآن تمدح أيضاً أهل بيت النبي وآله، وبحكم أن تعريف الصحبة “العشرة والمجالسة”، يمكن القول وفق المصطلحات القرآنية أن الصحابة هم: المهاجرون والأنصار وأهل البيت. والله أعلم.
ولتحرير المفاهيم، أعتقد أن “أهل البيت” المذكورين في القرآن، هم أهل بيت النبي حرفياً استناداً إلى المعنى اللغوي “أخص الناس بالرجل”، الزوجات والأولاد (ذكوراً وإناثاً) والأحفاد (ذكوراً وإناثاً) وأزواج الأولاد (أي أزواج البنات) وبعض الموالي (زيد)، والله أعلم.
و”آل البيت” استناداً إلى المعنى اللغوي “أوسع الأقارب”، واستناداً إلى النصوص والشواهد التي جعلت العلاقة ببيت النبي ليست محصورة بالنسب والدم، فهم أهل البيت والقربى والعترة والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وأتقياء الأمة وأولياؤها والصالحون والمحبون ومن اتبعهم بإحسان، والله أعلم.
أما “القربى” فهم بنو هاشم وبنو عبدالمطلب، ومنهم “العترة”، وهو مصطلح ورد في السنة مقترناً بأهل البيت يعني ذرية النبي، أو ذرية علي، أي الحسن والحسين، أو ذرية الحسن والحسين، والله أعلم، فالعترة لغة هم “نسل الرجل”. والأحاديث التي ذكرت مصطلح “العترة” رويت بلفظ آخر “السنة”، فهذا حديثُ جابرِ بن عبد الله: “يا أيُّها الناس، إني تركتُ فيكم ما إنْ أخذتُم به لن تضلُّوا: كتاب الله، وعِترتي أهْلَ بَيتي”، وهذا حديث عن أبي سعيد الخدري: “يا أيُّها الناس، إنِّي قد تركتُ فيكم الثَّقلين: كتاب الله، وسُنَّتي”. وتقتضي الأمانة ذكر رأي الطحاوي – الذي لا يميز بين الأهل والآل -: “العِترة: هم أهلُ بيتِه صلَّى الله عليه وسلَّمَ، الذين هم على دِينه، وكذلك المتمسِّكون بأمْره”. ولم يخص النبي أمر الاتباع بالعترة وحدهم، إذ قال عليه الصلاة والسلام: “أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم”، وقال:”أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ”.
مصطلح “أهل البيت” مصطلح يحدد أشخاصاً بعينهم انتهى بوفاتهم تماماً كمصطلح “الصحابة” ومصطلح “المهاجرون والأنصار”، أما “القربى” فهو مصطلح مستمر ومحدود، ومصطلح “آل بيت النبي” مصطلح مستمر ومفتوح، ومشيئة الله ورسوله دائماً فوق كل تعريف. والله أعلم.
لإمام الأزهر الراحل الشيخ صالح الجعفري قصيدة يقول مطلعها: “رضينا يا بني الزهرا رضينا.. بحب فيكم يرضي نبينا”، فكان السؤال إن كان هناك حب لبني الزهراء لا يرضي النبي، فكان الجواب: نعم.. حب النبي وبغض أصحابه وأمهات المؤمنين.
وهذا الرأي لعالم جليل من علماء الإسلام وضع معياراً واضحاً لتمييز الحق والباطل، فقد ضل من زعم حب الصحابة وانتقص من أهل البيت/ آل البيت، كما ضل من عظّم آل البيت/ أهل البيت وانتقص من قدر الصحابة وأمهات المؤمنين.
وتمتلئ كتب التراث الإسلامي بأبواب عن مكارم الصحابة، تحولت إلى أبواب تفضيل وتقديم، فهناك من يرى أن فلاناً أفضل الخلق بعد رسول الله، وهناك من يرى أن فلاناً أقرب إلى الله من فلان، وهذا باب فتح أبواب الفتنة بين المسلمين، خصوصاً مع إلباس هذا التفاضل ثوب الدين والعقيدة، وهذا اجتهاد مضر لا أصل له في القرآن، وفرق بين المسلمين بلا جدوى، فالأقرب إلى الله عز وجل والأفضل بعد رسول الله علمه عند الله، والأقرب إلى رسول الله علمه عند الله ورسوله، خصوصاً مع كثرة النصوص التي تثني على الصحابة، والحق أن هذا الموضوع يجب أن يلاحظ ما يلي:
– أن الأشخاص الذين يرتبون الصحابة ويقدمونهم ويؤخرونهم، لا يرتقون إلى فضلهم ومكانتهم ومقاماتهم ليتصدوا لهذه المهمة التي ليست من شأنهم أو من شأن غيرهم.
– مع كثرة النصوص وتضاربها في بعض الأحيان تكون المحبة الشخصية هي الفيصل في التقديم والتأخير، وهذا أمر طبيعي لا بأس فيه ما لم يلبس ثوب الدين والعقيدة.
– لا عصمة إلا للنبيّ في أمور الدين والدنيا، وقد نص القرآن على أن الله طهّر أهل بيته صلى الله عليه وسلم، فهم براء من الفواحش والكبائر والرزايا والدنايا والخبائث ومثالب الأخلاق، والأهم من كل ذلك أن النبي أحبهم وأحبوه ومات وهو عنهم راض. وهذا ما ثبت أيضاً للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بناء على إشادة القرآن، وذلك من فضل الله على رسوله وعلى أهله وصحبه.
– ضرورة التمييز بين مكانة أهل البيت والصحابة دينياً، وبين العمل السياسي. وأن المكانة الدينية للجميع لا تلغي بشريتهم، فيقع منهم الخطأ والصواب ولا يقلل ذلك من القدر الديني.
– ذرية أهل الكساء ليسوا من أهل الكساء ولا من أهل البيت، وهذا أمر يرفع من أعمالهم ولا يحط من قدرهم ولا يلغي ارتباطهم بالنسب الجليل “العترة” ضمن مفهوم “القربى” الذين أمر القرآن بمودتهم، وضمن مفهوم “آل البيت” الذين أمر الرسول بالصلاة عليهم مع الصلاة عليه.
– جاء زمان حرص فيه الساسة والوجهاء على النسب الهاشمي العلوي، إما لأغراض دنيوية، وإما من باب المحبة، ومن المهم لفت النظر إلى أن نسب الحكام الفاطميين في مصر فيه شبهة لم تحسم إلى يومنا هذا، وانتماء أولئك الحكام إلى الطائفة الإسماعيلية يضع ألف تساؤل إن ثبت نسبهم.
– إن فضل النسب جعله الله عز وجل في القرآن للمؤمنين جميعاً على أساس الإيمان، قال تعالى: “وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ”، وقال: “وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ”.
لقد جاء الإسلام بنصوص صريحة ساوت بين الناس، فكل الناس سواسية في الحقوق والواجبات والثواب والعقاب، إذ ورد في الحديث: “يا مَعْشَرَ قريشٍ.. اشْتَرُوا أنفسَكم من اللهِ، لا أُغْنِي عنكم من اللهِ شيئًا، يا بني عبدِ مَنَافٍ.. اشْتَرُوا أنفسَكم من اللهِ، لا أُغْنِي عنكم من اللهِ شيئًا، يا عباسُ بنَ عبدِ المُطَّلِبِ.. لا أُغْنِي عنكَ من اللهِ شيئًا، يا صفيةُ عَمَّةَ رسولِ اللهِ.. لا أُغْنِي عنكِ من اللهِ شيئًا، يا فاطمةُ بنتَ مُحَمَّدٍ.. سَلِينِي من مالي ما شِئْتِ لا أُغْنِي عنكِ من اللهِ شيئًا”.
وفصل القرآن الكريم مكانة العباد في الإسلام وفق معايير يعلمها ويقدرها الذي يعلم السر وأخفى:
– الإيمان، ودليله قوله تعالى: “لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ”. وقال: “وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ”.
– العمل، ودليله قوله تعالى: “إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات”، وقوله تعالى: “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى”.
– المحبة، ودليلها قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ”. وفي هذا السياق يأتي مفهوم المعية “وتوفنا مع الأبرار”.
– المشيئة، ودليلها قوله تعالى: “والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم”، “يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم”، “يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم”، “ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم”، “ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء”.
وخلاصة القول ان لا طبقية في الإسلام ولا دماء زرقاء، “إنما المؤمنون إخوة”، و”لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأبيضَ على أسود، ولا لأسودَ على أبيضَ، إلَّا بالتَّقوَى، النَّاسُ من آدمَ، وآدمُ من ترابٍ”.


