يقول مثل لبناني قديم “المصيبة بتجمع”، واللبنانيون يتجمّعون حول بعضهم البعض كلّما اهتزّت بهم الحياة وكادت أن تقضي عليهم. لن نذكر الويلات التي عصفت بهذا الوطن الجميل، ولكن في كلّ مرّة يبقى هناك ولو ناج واحد، يبحث عن الحقيقة ويطالب بالعدالة حتى الرمق الأخير.
30 آب ليس ذكرى للمفقودين والمخفيين قسراً، ففي كلّ يوم وساعة، هؤلاء المغيّبون حاضرون في أحاديث كلّ من أحبّهم وشاركهم ذكرى في يوم من الأيام قبل أن يتحوّلوا إلى طيف قاتل لا يفارقهم.
بعنوان “لاقونا لنزرع شجرة المفقود”، وهذه المرّة زيتونة ترمز الى الحياة والصلابة، غرس أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، شجرة أمام تمثال المغترب عند مدخل مرفأ بيروت، إلى جانب صور ضحايا إنفجار الرابع من آب الذين يبحث أهاليهم أيضاً عن المذنب والأيدي الخفية التي حوّلت حياتهم إلى قضية يجمعون أدلتها عسى أن تبرّد جراحهم.
تتشابه القضيتان، وكلتاهما تنسبان إلى الجرائم ضد الإنسانية، وتطالبان بتحقيق العدالة التي تحوّلت إلى أمنية معلّقة.
وداد حلواني، اسمها يسبقها ليعرّف عنها، فهي التي حملت القضية منذ سنة 1982، ولم يخبُ الأمل لديها.
تقول رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين من أمام المرفأ: “نحن في بلد العجائب: أهالي ضحايا الحرب يتلاقون مع أهالي ضحايا السلم وكلاهما متروك من الدولة. يتبادلون الأوجاع والمواساة، يعضون على الجراح ويفكرون في كيفية التعاون للوصول الى الحقيقة والعدالة. مضى على الحرب 50 عاماً ومضى على السلم الذي زفّه الحكام للبنانيين 34 عاماً”.
وتتابع: “عندما أعلن المسؤولون السلم قالوا لن نستطيع ان نساعدكم لأنها كانت ايام حرب والكل قتل وخطف، ونصحونا بأن ننسى المفقودين ونتطلع الى المستقبل لكننا لم نطبق النصيحة واعتبرنا أن السلم الحقيقي عندما يعود أحبابنا ونعرف مصيرهم”.
وللزرع تتمة، هكذا تختم حلواني، على أمل أن تكون شجرة المفقود خطوة ضرورية لتحقيق المزيد من التضامن والدعم لعائلات المفقودين وفرض تطبيق قانون المفقودين والمخفيين قسراً (105/2018).
نائب رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً الدكتور زياد عاشور، يؤكد لموقع “لبنان الكبير”، أن “النضال لم ينته، بعد حوالي 40 سنة على القضية، وأبرز انجاز حققته اللجنة والهيئة الوطنية، هو الإعتراف بأن قضية المفقودين هي قضية وطنية، وليست قضية أفراد، على الرغم من الغياب شبه الكامل للدعم من الدولة والسلطة، ومن أن التقدّم في هذا الملف بسيط، إلاّ أنه لا يمكن إغفال ما توصلنا إليه، من توثيق، وجمع بيانات، على مدى سنوات، فالهدف اليوم هو أن نصل إلى خاتمة إنسانية في الدرجة الأولى تخفف عن الأهالي، وليس خاتمة عقابية”.
ويضيف عاشور: “تجربة لبنان مع ملف المفقودين ليست التجربة الوحيدة بين الدول مثل قبرص، الأرجنتين وكولومبيا وغيرها، وكلّها في مكان ما وصلت إلى الخواتيم، إلاّ أن الأمر في لبنان أكثر تعقيداً، من ناحية التدخلات السياسية، والحزبية، والدينية، لكن على المدى الطويل، لن تبقى الأمور على حالها، هناك من سيتحمل المسؤولية ولو بعد زمن، والنضال مستمر”.


