منذ بدء الاعتداء الاسرائيلي على لبنان كثرت إطلالات “المحللين الاستراتيجيين” على شاشات التلفزة المختلفة التوجهات، وضاقت مساحات المواقع الالكترونية بمقالات وتحليلات حول مآل الحرب الدائرة بين “حزب الله” والعدو الاسرائيلي، ومواقف دول المحور إلى جانب خطة المجرم بنيامين نتنياهو بالنسبة الى غزة ولبنان، وكلها مبنية على “رغبات” دفينة لدى محللي هذا الفريق أو ذاك، ولا تحمل في طياتها أي معلومات حقيقية مستقاة من أصحاب القرار والربط.
فريق يريد إزالة إٍسرائيل من الوجود والصلاة في المسجد الأقصى، يقابله فريق يعتبر أن “حزب الله” انهزم وذاهب إلى غير رجعة ويجب البدء بالتفكير في كيفية التأقلم مع واقع غياب “سطوته” وامتلاكه قرارات هي حصراً ملك “الدولة” اللبنانية.
لا هذا الفريق يفكر بـ “واقعية” وبالتأكيد الفريق الذي يقابله يلتقي معه بـ”اللاواقعية” نفسها. الفريق الأول يرى أن “المقاومة” إلى زوال، في حين يعتبر الفريق المقابل أن “المقاومة” ستهزم أعتى جيش في المنطقة مدعوماً بالقوات البحرية والجوية وربما البرية لـ “الشيطان الأكبر”.
هل من عاقل في هذا العالم يعتقد أو يؤمن بأن إسرائيل التي “وجدت لتبقى” كما قيل منذ تأسيسها، ستزول من الوجود لكي يتمكن أصحاب القناعة من القدرة على الصلاة بعد الحرب في المسجد الأقصى، وهي التي تمتلك أسلحة أثبتت من خلال استخدامها أنها تمحو أحياء في غزة وجنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت كما في البقاع، تلقيها طائراتها الأحدث في العالم من دون أن يرف لربانها جفن، في مقابل “صليات” صاروخية توجع ولا تؤلم، تصيب أهدافها من دون أن تحدث الدمار الموازي لما تحدثه أسلحة الجيش الصهيوني، والأكثر إيلاماً أنها لا تقتل عدداً من الأشخاص يوازي عدد الشهداء الذين يسقطون تحت أنقاض الأبنية التي تزيلها الصواريخ العدوة عن بكرة أبيها؟
في المقابل، تعتقد إسرائيل ومن يناصرها أو يتمنى لها “الخير” في الداخل، أنها وإن نجحت لغاية اليوم في “تصفية” قادة حركة “حماس” وأزهقت روح الأمين العام لـ “حزب الله الشهيد السيد حسن نصر الله وعدد كبير من القياديين المنخرطين في المقاومة، فهي قادرة على إبادة “طائفة” بأكملها يشكل أبناؤها ثلث عدد سكان لبنان، ولديهم عقيدة إيمانية راسخة تربطهم بـ “الولي الفقيه” في الجمهورية الاسلامية في إيران حتى ولو أنهم لم ينخرطوا بأكملهم في “مقاومة” العدو الصهيوني.
الواقعية تفرض علينا الاجابة بـ “لا” على كلتي الفرضيتين المشار إليهما أعلاه، فلا إسرائيل ستزول، ولا “حزب الله” سينتهي، والأجدى أن ينخرط أنصار الفريقين في خلوة، كل على حدة بالتأكيد، للبحث في تغيير أولاً نمط تفكيرهم، والانتقال من “أحلام اليقظة” إلى مآسي الواقع، فالدمار الهائل والدماء التي سالت قد تكون ذهبت هباء، إذ ان هذه الحرب التي تخوضها إسرائيل أصبحت مكشوفة الأهداف وهي إلحاق أكبر قدر من الدمار في مناطق البيئة المناصرة للمقاومة لتحوّلها كما فعلت في شمال قطاع غزة إلى منطقة غير قابلة للحياة من دون أن تتمكن من القضاء على حركة “حماس” التي تحوّلت إلى “فكرة”، ولن تتمكن بالتأكيد من القضاء على “حزب الله” ووجوده وإن ستنجح على الأرجح في استنزاف كل مخزونه من الصواريخ، في حين أن “صليات حزب الله” نجحت في إحراق آلاف الدونمات الزراعية في شمال فلسطين المحتلة، وعطلت السياحة وألحقت الضرر الكبير بالصناعات التقليدية من دون أن يكون لهذه الخسائر الاقتصادية أي مفعول يساهم في إزالة إسرائيل من الوجود ولكي يتمكن المؤمنون من الصلاة في المسجد الأقصى.
لا شك في أن هذا الكلام سيحظى بتعليقات سلبية شمالاً ويميناً، لكن عملاً بالقول المأثور “مجنون يحكي وعاقل يسمع”، فالعاطفة الجياشة تأخذ صاحبها إلى اتجاهات “مغامراتية” وما تفعله إسرائيل “مغامرة” ستستمر طويلاً، والمقاومة تخوض نزالاً غير متكافئ سيطول ومن غير المؤكد أنه سينتهي بالضربة القاضية.
بعض الواقعية لن يضر، والتخلّي عن لغة التهديد والوعيد والويل والثبور وعظائم الأمور غاية مطلوبة لكي لا تتفاقم الحالة النفسية السيئة أصلاً وندخل في نفق بدأت محاذيره تلوح في الأفق، وبدأت الدول التي “تهتم” بنا تحذّر من “الحرب الأهلية” وربما لأني أنتمي إلى جيل اختبرها، أكتب هذا الكلام، وما على الرسول إلا البلاغ.


