مرّت علاقة “القوات اللبنانية” بالجيش اللبناني في مراحل عدة منذ بدء العمل بإتفاق الطائف عام 1990 وحتى اليوم، وكانت باكورتها تسليم “القوات” سلاحها إلى الجيش وتحوّلها إلى حزب سياسي، كما هي اليوم، لكن سيطرة الاحتلال السوري على المؤسسة العسكرية ما بين 1990 و2005، جعلت العلاقة بين “القوات” والجيش مبنية على سوء تفاهم، إذا صرفنا النظر عما حصل خلال قيادة العماد ميشال عون للجيش ولا سيما بين عامي 1988 و1990.
لكن منذ خروج الدكتور سمير جعجع من الإعتقال السياسي عام 2005، حصل ما يُشبه تنقية الذاكرة داخل “القوات” لهذه العلاقة، ووضعها في النصاب الصحيح وفق مشروع “القوات” السيادي، وهذه العملية كانت تراكمية لعب فيها جعجع دوراً كبيراً من جهة، وقادة الجيش المتعاقبين من جهة أخرى وصولاً إلى القائد الحالي العماد جوزيف عون.
وقد يتساءل البعض لماذا هذه الغيرة “القواتية” على التمديد لعون وخصوصاً أن تكتل “الجمهورية القوية” النيابي هو المبادر الى هذا التمديد اليوم كما كان منذ عام؟
ليس سراً، وفق مصادر “القوات” أن هناك أسباباً موجبة لهذا التمديد وهي: أولاً غياب رئيس الجمهورية الذي يكون من صلاحياته عادة تعيين قائد الجيش، وبالتالي لا يجوز استغيابه في ظل حكومة تصريف أعمال، علماً أن المعارضة ليست من تعطّل انتخاب الرئيس وحسن سير الانتظام العام في الدولة بل فريق الممانعة.
ثانياً، يتخبّط لبنان في حرب ضارية ولا يجوز تغيير قائد الجيش في بلد منكوب ووسط المواجهات والمعارك في الجنوب اللبناني، وبالتالي هناك ثقة بقائد الجيش الحالي جوزيف عون وخصوصاً أنه اكتسب خبرة كبيرة، وقد تكون مجازفة كبيرة التلاعب بهذه المسألة لأن الأمن بالنسبة إلى “القوات” هو الجوهرة الأخيرة المتبقيّة للبنان ومن غير المسموح المسّ بها.
ثالثاً، يُعتبر الجيش اللبناني المؤسسة الوحيدة التي لا يُمكن أن تأتي فيها بوكيل أو نائب للقائد لأنه لا يُمكن المسّ بالتراتبيّة العسكرية، والدستور لا يسمح بذلك.
في المقابل، يرى البعض أن خطوة “القوات” ناقصة بحيث لا يجوز التمديد لقائد الجيش من دون التمديد للمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان، إلا أن مصادر “القوات” تؤكّد أن سبب عدم شمول اقتراح “القوات” طلب التمديد للواء عثمان هو عدم رغبتها في أن تأخذ دور القوى السياسية الأخرى، أي النواب السُنّة الذين سيتولون التقدّم بهذا الاقتراح ثم يُدمج الاقتراحان في إقتراح واحد، كما حصل العام الفائت، لقطع الطريق أمام المزايدات، علماً أن مصادر “القوات” تؤكّد احترامها لكل الأجهزة الأمنية، مع الحرص على توزيع الأدوار.
واللافت أن “القوات” لم تُنسّق هذه الخطوة مع قائد الجيش والمؤسسة العسكرية بل تقوم بذلك انطلاقاً من واجبها الوطني وعمل تكتلها النيابي ودورها الدستوري، وكل ما تريده من الجيش والأجهزة الأمنية أن تؤدي الدور المنوط بها وفق الدستور، ولا سيما أن هدفها هو الجمهورية القوية والدولة الفعلية.
ولا شك في أن “القوات” بدأت اتصالاتها بالكتل والتكتلات النيابية لجمع أكبر عدد من النواب حول الاقتراح، والأجواء تميل إلى الايجابية والتفاؤل لجهة التصويت للتمديد لقائد الجيش نظراً إلى حساسيّة الوضع، علماً أن الأنظار ستكون موجّهة إلى كتلتي الثنائي الشيعي ومدى موافقتهما على التمديد.
من جهتها، ستُكمل “القوات” رهانها على الجيش اللبناني الذي تحوّل من الثوابت في “جمهوريتها” القويّة، إذ تعتبره الأداة الأساسية للدولة في استخدامها للسلاح، وليس سراً أن هناك ملفات عدة شهدت تنسيقاً بين الجيش و”القوات” منذ اغتيال الشهيد باسكال سليمان، لكن مصادر “القوات” تؤكّد أن هذا التنسيق والتواصل لا يختلفان عن أي تنسيق يجري بين بعض القوى السياسية والأحزاب مع الجيش، وتعتبر أن من واجبها كقوى سياسيّة حيّة في المجتمع اللبناني اللجوء إلى الجيش الذي يبقى الضمانة في المحافظة على السلم الأهلي.
وختاماً قد يكون اهتمام “القوات” الكبير بالجيش وقيادة معركة التمديد للعماد عون يتعلّق بالمرحلة الآتية وخصوصاً إذا جرى الاتفاق على تنفيذ القرار 1701 كاملاً، والدور الرئيسي الذي سيلعبه الجيش كقوة مسلّحة شرعية ستحلّ مكان مسلّحي “الحزب” في المنطقة العازلة، وربما تطبيق القرار 1559 وما يستوجبه من جهوزية من المؤسسة العسكرية لتسلّم سلاح “الحزب”.
لا شيء مستبعداً، فلبنان والمنطقة يعيشان تحوّلات كبيرة، وما يبدو اليوم غير واقعي أو بعيد المنال، قد يُصبح غداً واقعاً وحلاً منطقياً.


