تتوالى تهديدات بعض الاعلاميين والصحافيين المقربين من “حزب الله” للمعارضين اللبنانيين الذين ينتقدون خياراته ومواقفه واستمراره في حرب عبثيّة أقحم لبنان فيها، فدمّره وأنهك اقتصاده الذي كان منهاراً أصلاً. ولا تبدو هذه التهديدات عفويّة أو مجرد فورة غضب، بل اعتماد هؤلاء المضمون نفسه، يؤشّر إلى كلمة سرّ واحدة معمّمة على الذين يدافعون عنه في وسائل الاعلام بحماسة تصل إلى حدّ التوتر أحياناً.
وليست سراً الأسماء التي تُروّج لـ”الحزب” وتستخدم لغة التهديد مثل المسؤول الاعلامي فيه محمد عفيف، ابراهيم الأمين، علي حجازي، الشيخ صادق النابلسي وغيرهم.
في القراءة السياسية لهذه التهديدات، إن صدقت، فسيكون لبنان بعد الحرب، أمام حالة من التفلّت الأمني، وربما عودة الاغتيالات وصولاً إلى تعكير السلم الأهلي وإثارة الفتنة، وشخصية “أحمد أبو عدس” جاهزة دائماً للتغطية على “الحزب” وإبعاد الشبهات عنه، ألم يفعل ذلك عندما اغتال الرئيس رفيق الحريري محاولاً زرع بذور الفتنة داخل الشارع السنّي عبر اختراع شخصية “أبو عدس”، لإلصاق جريمة الاغتيال بالسنّة المتطرفين، وخلق صدع وشقاق بين مؤيدي الرئيس الحريري من جهة والجماعات السنية الأخرى من جهة ثانية؟ لكن سرعان ما انكشفت الحقيقة، عبر تحقيقات دولية وجهود المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، قبل أن تتحق عدالة السماء ويُقتل المجرم سليم عياش.
ولم ينسَ أحد حتى اليوم سلسلة الجرائم التي يتّهم فيها “الحزب” بحق عشرات الشخصيات السياسية المعارضة من قوى 14 آذار، مروراً بلقمان سليم وصولاً إلى الياس الحصروني.
واللافت أن هؤلاء الذن يدورون في فلك الممانعة، يستهدفون “القوات اللبنانية” على نحو خاص، بسبب ماضيها في المقاومة العسكرية، وغالباً ما يلصقون بها اتهامات التسلّح والتدريب والتحضير لأعمال أمنية، علماً أن الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية تحصي كل شاردة وواردة في لبنان، وتعرف من يُخزّن حبّة خردق، ومن لا، وخصوصاً “القوات” التي هي حزب سياسي اجتماعي انمائي بحت، تركت مئات آلاف الصواريخ والآليات والطائرات وعشرات آلاف المقاتلين، ودخلت في مشروع الدولة، لأنه المسار الأسلم والأضمن والأنجح، خصوصاً في ظل الحاضنتين العربية والدولية.
لكن القطبة المخفيّة في الموضوع أن “الحزب” ربما يبحث عن سبب ليقدم على فعل أمني وعسكري بعد الحرب، وخصوصاً أنه في طريقه إلى الهزيمة أمام اسرائيل، وبالتالي يبحث عن تعويض في مكان آخر.
قد يخيب أمل “الحزب” لأن لا “القوات” ولا غيرها من القوى المعارضة مثل “الكتائب” و”الأحرار” تريد الحرب أو المواجهة العسكرية في الداخل، بل كل هذه القوى تعوّل لحماية الاستقرار، على الجيش اللبناني عسكرياً وأمنياً، وكل ما عدا ذلك هو مجرّد توهمّات وخيال تعيشه أبواق الممانعة، تماماً كالكذبة التي عاشها هذا المحور وأودت به الى الهلاك.
مع ذلك، تأخذ قوى المعارضة وأحزابها تهديدات أبواق “الممانعة” في الاعتبار، لأن العلاقة مع هذا الفريق كانت دائماً عنفيّة ودمويّة، وشهدت مرحلة طويلة من الاغتيالات واستخدام السلاح في الداخل، كما في 7 أيار 2008 وعين الرمانة وخلدة والكحالة.
لكن المعارضة ترى أن استخدام هذا الفريق للقوة بعد الحرب يقتضي منه قدرة وامكانات، وتؤكد مصادرها أن “بنيته العسكرية باتت أضعف، وقد لا يكون قادراً إلا على إثارة الفوضى لأن الحرب الأهلية تحتاج إلى امكانات وتنظيم وتجهيز ومراقبة وتنسيق، قد لا تكون في أفضل حالاتها بعد الحرب بسبب ضربات اسرائيل”.
أما بعد انتهاء الحرب فستكون هناك نتائج، وفق مصادر المعارضة، قد تنتهي بنزع سلاح “الحزب” وفق القرار الدولي 1701، وسيكون “الحزب” بالكاد قادراً على لملمة آثار الحرب وتداعياتها.
كل ذلك، لا يعني أن “الحزب” عاجز، لأنه حتى اليوم، يوجّه الصواريخ إلى اسرائيل، وممكن أن تصبح لهذه المنصّات وجهة أخرى وأهدافاً مختلفة، إلا أن مصادر المعارضة تعتبر أن أكثر ما يُمكن أن تنتجه مرحلة ما بعد الحرب هي عصابات تنشر الفوضى هنا وهناك.
ويُجمع المعارضون على أن هذه التهديدات والصراخ هما انعكاس لخوف “الحزب” من المرحلة الآتية التي قد يخسر فيها سطوته على المجتمع السياسي وكأنه يقول “أنا لا أزال موجوداً”، إلا أن كل قوى المعارضة تأخذ الحيطة والحذر من أي تصرّف أرعن، نظراً إلى أن تاريخ فريق الممانعة يشهد على توسّله أساليب عنفيّة ليحقّق أهدافه، ولو كان ذلك صعباً في المرحلة المقبلة.


