أظهر القطاع المصرفي في دولة الامارات العربية المتحدة مرونة استثنائية وقوة متميزة، تجسدت في احتياطيات رأس المال الضخمة، والسيولة الوفيرة، إلى جانب التقدم البارز في مؤشرات جودة الأصول وزيادة الربحية. وتعكس هذه العوامل مجتمعة الأسس المالية الراسخة والقدرة الفائقة للنظام المصرفي الاماراتي على النمو والتكيف لمواجهة التحديات الاقتصادية الاقليمية والعالمية، ما يعزز مكانته كمحرك رئيسي للنمو والاستقرار الاقتصادي.
وبحسب البيانات الصادرة عن مصرف الامارات المركزي، حقق القطاع إنجازاً بارزاً بتجاوز إجمالي رأس المال والاحتياطيات للبنوك العاملة في الدولة حاجز 500 مليار درهم إماراتي لأول مرة في تموز 2024. وسجّل القطاع المصرفي نمواً سنوياً قوياً بنسبة 10.5 في المئة، حيث ارتفع رأس المال والاحتياطيات من 454.9 مليار درهم إلى 502.6 مليار درهم، محققاً زيادة قدرها 47.7 مليار درهم.
القطاع المصرفي.. ينتعش
وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني أشارت إلى أن القطاع المصرفي الاماراتي شهد انتعاشاً ملحوظاً وسريعاً في العام 2024، حيث سجل معدل نمو قدره 9.5 في المئة خلال الأشهر التسعة الأولى، متخطياً بذلك نسبة النمو المحققة في العام 2023 والتي بلغت 7.7 في المئة. كما شهدت محفظة القروض زيادة ملموسة بنسبة 3.3 في المئة في الربع الثالث من العام 2024، مقارنة بنسبة 2.8 في المئة في الربع الثاني من العام نفسه. من جهة أخرى، حقق بعض البنوك المصنفة من الوكالة نمواً استثنائياً يتجاوز 15 في المئة منذ بداية العام، مثل بنك أبوظبي الإسلامي (16 في المئة)، وبنك الامارات الإسلامي (22 في المئة)، وبنك رأس الخيمة الوطني (17 في المئة).
وسجل صافي الدخل المركب للبنوك في الامارات تراجعاً طفيفاً في الربع الثالث من العام 2024، حيث بلغ 20 مليار درهم إماراتي مقارنة بـ 21 مليار درهم إماراتي في الربع الثاني من العام نفسه. ويعزى هذا الانخفاض بصورة رئيسية إلى زيادة مخصصات خسائر الائتمان، التي استهلكت 2.8 مليار درهم إماراتي من الأرباح التشغيلية قبل خصم المخصصات في الربع الثالث، مقابل مليار درهم في الربع الثاني. وعليه، تضاعفت تكلفة المخاطرة السنوية إلى 50 نقطة أساس في الربع الثالث من العام 2024، مقارنة بـ 20 نقطة أساس في الربع الثاني من العام 2024. وقد ارتفعت تكلفة المخاطرة في القطاع خلال الربع الثاني بدعم من عمليات استرداد المخصصات في بنك الامارات دبي الوطني، ومع استبعاد هذه العوامل، كانت تكلفة المخاطرة المتوسطة للقطاع 50 نقطة أساس. وبالنظر إلى استقرار بيئة التشغيل، توقعت “فيتش” أن تتراوح تكلفة المخاطرة المتوسطة للقطاع بين 40 و50 نقطة أساس في العام 2025، بعد تعديل العوامل المؤثرة لمرة واحدة.
العوائد ترتفع والودائع تنمو
وارتفع متوسط العائد على حقوق المساهمين ليصل إلى 19.5 في المئة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2024، مقارنةً بـ 18.7 في المئة في عام 2023. وقد سجل بعض البنوك المصنفة من الوكالة معدلات عائد على حقوق المساهمين تفوق بكثير هذا المتوسط، بما في ذلك بنك الامارات دبي الوطني (24 في المئة)، وبنك الامارات الإسلامي التابع له (26 في المئة)، ومصرف المشرق (26 في المئة)، وبنك أبوظبي الإسلامي (30 في المئة)، ومصرف دبي التجاري (22 في المئة) وبنك رأس الخيمة الوطني (21 في المئة).
أما رصيد القروض المتعثرة للبنوك المصنفة، فقد استقر عند 95 مليار درهم إماراتي في الربع الثالث من العام 2024، مع تراجع النسبة إلى 4.4 في المئة في نهاية الربع الثالث، مقارنة بـ 4.5 في المئة في نهاية الربع الثاني من العام نفسه. وسجلت غالبية البنوك استقراراً أو انخفاضاً في أرصدة القروض المتعثرة، باستثناء بنك أبوظبي الأول، الذي شهد زيادة بمقدار 1.5 مليار درهم إماراتي. وعلى الرغم من ذلك، بقيت نسبة الارتفاع محدودة، بحيث ارتفعت بمقدار 10 نقاط أساس فقط لتصل إلى 5.2 في المئة.
وبحسب الوكالة، ارتفع متوسط نمو الودائع في القطاع المصرفي بنسبة 3.9 في المئة في الربع الثالث من العام 2024، متفوقاً بذلك على نمو القروض، ما يعكس القوة المستمرة للسيولة في القطاع. وقد سجل بنك أبوظبي الأول أعلى معدل نمو للودائع بنسبة 7 في المئة، بما يعادل 54 مليار درهم إماراتي، ما يشكل نحو نصف تدفقات الودائع إلى القطاع المصرفي في الربع الثالث من العام. كما واصلت البنوك زيادة محفظاتها من الأوراق المالية وتخزين فوائض السيولة، بحيث سجلت محفظة الأوراق المالية للبنوك المصنفة نمواً متوسطاً قدره 6 في المئة. ونتيجة لذلك، انخفض متوسط نسبة القروض إلى الودائع بنسبة 40 نقطة أساس، ليصل إلى 79.2 في المئة في الربع الثالث من العام 2024.
قفزة في الائتمان
وفي موازاة ذلك، أفاد تقرير صادر عن شركة “كامكو إنفست” للربع الثالث من العام 2024 بأن إجمالي ائتمان قطاع البنوك في الامارات ارتفع بنسبة 0.1 في المئة في تموز 2024، ليصل إلى 2.1 تريليون درهم. ويعود هذا النمو بصورة رئيسية إلى الزيادة في الائتمان المحلي الذي سجل زيادة بنسبة 0.3 في المئة، بينما تراجع الائتمان الأجنبي بنسبة 1.5 في المئة. على صعيد الائتمان المحلي، شهدت القروض الموجهة للقطاع الحكومي ارتفاعاً ملموساً بنسبة 1.2 في المئة، في حين سجل الائتمان المقدم للقطاع الخاص نمواً بنسبة 0.7 في المئة.
في المقابل، سجلت ودائع المقيمين نمواً قوياً بنسبة 14.6 في المئة على أساس سنوي في شهر تموز، وذلك نتيجة للزيادة الملحوظة في ودائع القطاع الخاص التي ارتفعت بنسبة 18.8في المئة. يعكس هذا الأداء القوي متانة الاقتصاد غير النفطي في الدولة ومرونته، ما يعزز التوقعات الايجابية بنموه بنسبة 4.3 في المئة لهذا العام.
صدارة الابتكار المصرفي
تتربع دولة الامارات العربية المتحدة على قمة الابتكار المصرفي في منطقة الشرق الأوسط، حيث تستحوذ على الحصة الأكبر من أصول القطاع المصرفي الاقليمي التي تبلغ 3.2 تريليون دولار أميركي. كما تقود الدولة حركة النمو الرقمي السريع التي تضعها في طليعة التحولات المالية الاقليمية، وفقاً لتقرير حديث صادر عن شركة الاستشارات الادارية العالمية “آرثر دي ليتل”.
وشهدت الخدمات المصرفية الرقمية في منطقة الشرق الأوسط انتعاشاً قوياً، حيث حققت معدل نمو سنوي مركب بلغ 8.7 في المئة بين عامي 2021 و2023. ومن المتوقع أن يواصل القطاع هذا النمو ليصل إلى 175.7 مليار دولار أميركي، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 4.8 في المئة خلال الفترة من 2024 إلى 2029. ويتبنى معظم البنوك في المنطقة استراتيجيات متقدمة للتكيف مع التحولات الجديدة، من خلال اعتماد الابتكارات الرقمية، وتعزيز الشراكات الاستراتيجية، وتطوير الأطر التنظيمية، فضلاً عن تعزيز ثقافة التحسين المستمر لتلبية احتياجات السوق المتغيرة.
وبالتزامن مع ذلك، سجل قطاع الخدمات المصرفية الرقمية في الامارات نمواً لافتاً بمعدل نمو سنوي مركب قدره 8.7 في المئة على مدار العامين الماضيين، متصدراً دول المنطقة. ومن المتوقع أن يستمر هذا النمو بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 4.8 في المئة بين عامي 2024 و2029، ليصل القطاع إلى قيمة تقدر بنحو 175.7 مليار دولار أميركي بحلول العام 2029. وفي هذا الاطار، تتبنى البنوك الاماراتية معايير جديدة لتجربة العملاء من خلال الافادة من أحدث التقنيات مثل الذكاء الاصطناعي، والبلوك تشين، والحوسبة السحابية.
وباعتبارها أول دولة في المنطقة تطلق العملة الرقمية للبنوك المركزية، تتصدر دولة الامارات مشهد الابتكار في منطقة الشرق الأوسط من خلال برنامج العملة الرقمية للبنوك المركزية التحويلي، ما يضع الأساس لاقتصاد حديث وشامل مالياً. وقام العديد من البنوك الرائدة في الامارات بتبني تقنية البلوك تشين في عمليات المدفوعات عبر الحدود، ما يتيح معاملات أسرع وأكثر أماناً، ويضع معياراً إقليمياً جديداً في مجالي الكفاءة والابتكار.
وكان صندوق النقد العربي قد أعلن عن تسجيل نمو كبير في موجودات القطاع المصرفي في الدول العربية، حيث بلغت الأصول الإجمالية للقطاع 4.574 تريليون دولار بنهاية العام 2023، مقارنة بـ 4.355 تريليون دولار في 2022، محققة زيادة بنسبة 5 في المئة.
وأظهر تقرير الاستقرار المالي الصادر عن الصندوق أن البنوك الاماراتية لا تزال تهيمن على الحصة الأكبر من موجودات القطاع المصرفي العربي، حيث استحوذت على نحو 24.3 في المئة من إجمالي الأصول المصرفية في الدول العربية. تليها البنوك السعودية التي احتفظت بحصة سوقية تقدر بـ23.1 في المئة. كما قدّر الصندوق حصة القطاع المصرفي في دول مجلس التعاون الخليجي بنحو 73.1 في المئة من إجمالي موجودات القطاع المصرفي العربي بنهاية العام 2023.


