تواصل دولة الامارات العربية المتحدة تعزيز بيئة اقتصادية مثالية تهدف إلى تحقيق التنوع الاقتصادي، الذي يعد حجر الزاوية في إنجاز رؤيتها الطموحة للتنمية المستدامة. ويعكس هذا التوجه الاستراتيجي التزام الامارات الراسخ بتقليص الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، والسعي الحثيث نحو تنويع مصادر الدخل القومي وزيادة القطاعات الإنتاجية. وقد أسهمت مجموعة من القطاعات الاقتصادية الحيوية في تسريع وتيرة النمو الاماراتي خلال العام 2024، ما جعلها محركات أساسية لنمو طويل الأمد وقادر على بناء اقتصاد قوي يتماشى مع تطلعات الأجيال القادمة. وفي العام 2025، تستعد الامارات للانتقال إلى مرحلة جديدة من الريادة الاقتصادية، مدعومة بنهج متنوع ومستدام يتميز بالابتكار والمرونة في مواجهة التحديات، لتؤكّد بذلك مكانتها كإحدى أبرز القوى الاقتصادية العالمية في العقد المقبل.
ازدهار اقتصادي غير نفطي
شهد الناتج المحلي غير النفطي في الامارات تسارعاً ملحوظاً في النمو، بحيث ارتفع بنسبة 4.8 في المئة على أساس سنوي خلال الربع الثاني من العام 2024، مقارنة بـ 4 في المئة في الربع السابق. وقد استمر هذا الأداء الإيجابي خلال الربع الثالث من العام نفسه، مع تحقيق القطاعات غير النفطية نمواً مطرداً، وبقيت قطاعات التجارة، السياحة، التصنيع، والبناء في مقدمة الركائز الأساسية لهذا النمو المستدام. في هذا السياق، أظهر تقرير مؤسسة “ستاندرد آند بورز غلوبال” أن الاقتصاد الاماراتي غير النفطي واصل تحقيق نمو قوي في تشرين الثاني 2024، مدفوعاً بالطلب المرتفع، بحيث سجل مؤشر مديري المشتريات في الامارات ارتفاعاً طفيفاً إلى 54.2 نقطة في تشرين الثاني، مقارنة بـ 54.1 نقطة في تشرين الأول، ما يعكس الاستمرار في التفوق الاقتصادي للقطاعات غير النفطية.
فما هي أبرز القطاعات غير النفطية التي ساهمت بصورة رئيسية في قيادة عجلة النمو في الامارات خلال العام 2024؟
القطاع العقاري في المقدمة
تصدّر قطاع العقارات في الامارات قائمة القطاعات الاقتصادية البارزة، بحيث بلغ حجم سوق العقارات 680 مليار دولار في العام 2024. كما صُنّفت الامارات ضمن المراكز العشرة الأولى للأشخاص الذين يخططون لشراء منزل، ما جعلها وجهة مفضلة لأصحاب الثروات من مختلف أنحاء العالم. وقد عزز القطاع العقاري مكاسبه بفضل التوقعات الإيجابية لنموه في السنوات القادمة، بدعم من الطلب الاستثنائي والمتزايد. وبحسب تقرير صادر عن منصة “ستاتيستا” العالمية، من المتوقع أن يصل حجم سوق العقارات الاماراتي إلى أكثر من 2.56 تريليون درهم بنهاية العام 2024. كما توقعت شركة “غلوبال داتا” البريطانية أن تسجل صناعة البناء نمواً سنوياً بنسبة 3.9 في المئة بين عامي 2025 و2027، مدفوعةً بزيادة وتيرة الاستثمارات في مشروعات الطاقة المستدامة، والبنية التحتية والقطاعات الصناعية.
السياحة تعزز الاقتصاد
يحتل قطاع السياحة المرتبة الثانية في اقتصاد الامارات، حيث بلغت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي 64 مليار دولار في 2024، بزيادة عن 59.5 مليار دولار في 2023. وتُعد الامارات لاعباً بارزاً في صناعة السياحة على المستويين الاقليمي والعالمي، إذ حلت في المرتبة الأولى إقليمياً والـ 18 عالمياً في تقرير “مؤشر تنمية السياحة والسفر لعام 2024” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي. كما تصدرت الامارات عدة مؤشرات عالمية، بما في ذلك توفير بيانات السفر والسياحة، والبنية التحتية لقطاع النقل الجوي، وكفاءة خدمات النقل الجوي، والسياسات الممكّنة للسياحة، بحيث حققت المركز الخامس عالمياً، والأول عربياً في جودة الطرق، والعاشر عالمياً والثاني عربياً في فعالية خدمات النقل العام، إضافة إلى المركز التاسع عالمياً والأول عربياً في فعالية خدمات الموانئ. ووفقاً لتقرير “المجلس العالمي للسفر والسياحة”، من المتوقع أن تسجل مساهمة القطاع السياحي الاماراتي في الاقتصاد الوطني نحو 236 مليار درهم خلال العام 2024، بما يعادل 12 في المئة من إجمالي الناتج المحلي للدولة.
استثمارات خضراء تدفع النمو
وساهم قطاع الطاقة المتجددة بصورة بارزة في دعم اقتصاد الامارات خلال العام 2024، في إطار التزام الدولة المستمر بمكافحة التغيرات المناخية وتعزيز الاستدامة من خلال مشروعات الطاقة النظيفة. وقد بلغت القيمة الإجمالية لمشاريع الطاقة المتجددة المنفذة في الامارات 12 مليار دولار، مع استثمار 54.5 مليار دولار لتلبية الطلب المتزايد على مصادر الطاقة النظيفة. وعليه، ترسّخت مكانة الامارات العالمية في هذا القطاع، حيث تصدرت المرتبة الثانية في مؤشر المستقبل الأخضر العالمي (GFI) لعام 2023، وحلت في المرتبة السادسة عالمياً في معدل استهلاك الطاقة الشمسية للفرد.
وتستمر الامارات في تعزيز استثماراتها الطموحة في قطاع الطاقة المتجددة، بحيث تهدف إلى زيادة حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الوطني ثلاثة أضعاف بحلول العام 2030، من خلال استثمارات تقدر بين 150 إلى 200 مليار درهم. كما تسعى إلى خفض الانبعاثات بنسبة 40 في المئة بحلول 2030 و60 في المئة بحلول 2040، وصولاً إلى تحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول 2050. وضمن جهودها لجذب الاستثمارات الخضراء، خصصت الامارات 600 مليار درهم حتى العام 2030، لتطوير مجالات الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر.
الذكاء الاصطناعي يقود التحول
لم يقتصر الاقتصاد الاماراتي في العام 2024 على القطاعات التقليدية فحسب، بل توسع ليشمل استثمارات استراتيجية ضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي، وبلغ إجمالي هذه الاستثمارات 9 مليارات دولار. وتتطلع الامارات الى أن تكون في طليعة الدول الرائدة في الذكاء الاصطناعي، وتسعى الى تحقيق أهداف “مئوية الامارات 2071” عبر تسريع تنفيذ البرامج والمشروعات التنموية، مع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الخدمات وتحليل البيانات بنسبة 100 في المئة بحلول 2031. وتوقع تقرير صادر عن “بي دبليو سي الشرق الأوسط” أن يسهم الذكاء الاصطناعي بمقدار 96 مليار دولار في اقتصاد الإمارات بحلول 2030، أي ما يعادل 14 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وبحسب بيانات حكومة الامارات، يُتوقع أن تصل قيمة سوق الذكاء الاصطناعي العالمي إلى 118.6 مليار دولار بحلول العام 2025. ومع النمو المتسارع في القطاع، من المرجح أن يشهد السوق في الامارات طفرة كبيرة خلال السنوات الثماني المقبلة، بحيث من المرجح أن يصل حجمه إلى 66.7 مليار دولار بحلول 2032، مع معدل نمو سنوي مركب قدره 43.9 في المئة.
التوسع الاقتصادي بالتكنولوجيا المالية
نجحت دولة الامارات في ترسيخ مكانتها كإحدى أبرز الدول الرائدة في اعتماد التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في القطاع المالي، وذلك تماشياً مع رؤيتها الاستراتيجية للتحول الرقمي وتعزيز الابتكار في هذا المجال الحيوي. وتشير التوقعات إلى أن قيمة سوق التكنولوجيا المالية في الامارات ستصل إلى نحو 39.3 مليار دولار أميركي في العام الحالي، مع تسجيل نمو سنوي مركب يفوق 15 في المئة خلال السنوات القادمة. وبحسب تقرير صادر عن شركة “فوركس دوت كوم”، من المتوقع أن ترتفع مساهمة قطاع التكنولوجيا في الناتج المحلي الإجمالي لدولة الامارات إلى 19.4 في المئة خلال العقد المقبل.
وفي السياق ذاته، أظهرت بيانات “إنوفيت فايننس” للخدمات المالية والاستشارية أن الامارات شهدت زيادة ملحوظة في الاستثمارات بقطاع التكنولوجيا المالية، على الرغم من التراجع العالمي في الاستثمارات بنسبة 42 في المئة خلال العام 2023. فقد ارتفعت الاستثمارات في الامارات بنسبة 92 في المئة لتصل إلى 1.3 مليار دولار، من خلال 54 صفقة، ما جعلها تبرز ضمن المراكز العشرة الأولى عالمياً في هذا القطاع، ويعود ذلك إلى السياسات التنظيمية الداعمة للتكنولوجيا المالية واعتماد واسع للخدمات المصرفية الرقمية. كما احتلت الامارات الصدارة في مجال الابتكار المصرفي في الشرق الأوسط، مستحوذة على أكبر حصة من أصول القطاع المصرفي الإقليمي التي تقدر بـ 3.2 تريليون دولار، ومتصدرة حركة النمو الرقمي وفقاً لتقرير صادر عن شركة “آرثر دي ليتل”.
قوة صناعية متزايدة
وبرز القطاع الصناعي في دولة الامارات كأحد الركائز الأساسية التي تدعم منظومة الاقتصاد الوطني، فشهد نمواً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. وفقاً للإحصائيات والبيانات الرسمية، بلغت مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي للإمارات بنهاية العام 2023 نحو 205 مليارات درهم، ما يعكس نمواً بنسبة 55 في المئة مقارنة بالعام 2020. كما ارتفعت قيمة الصادرات الصناعية الاماراتية لتصل إلى 187 مليار درهم، مسجلة زيادة كبيرة بنسبة 61 في المئة مقارنة بالفترة نفسها.
تُعد صناعة الأدوية واحدة من أبرز الصناعات الحيوية التي تساهم بصورة كبيرة في تعزيز الاقتصاد الاماراتي. وفقاً لمنصة “ريسيرتش أند ماركتس”، تم تقييم سوق الأدوية في الامارات بنحو 4.38 مليارات دولار في العام 2023، مع توقعات بنمو سنوي مركب بنسبة 7.6 في المئة حتى العام 2029. كما أشار مركز “إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية” في أبو ظبي إلى أن الامارات تعد من الدول الرائدة في المنطقة والعالم في تعزيز صناعتها الدوائية المحلية، مدفوعة بزيادة الإنفاق على الرعاية الصحية. يأتي ذلك في ظل الزخم العالمي المتزايد في قطاع صناعة الأدوية، الذي يتجاوز حجمه 1.6 تريليون دولار.
نمو واعد في 2025
تؤكد التوقعات الاقتصادية أن دولة الامارات ستواصل مسارها الاقتصادي القوي في العام 2025، بحيث من المتوقع أن يشهد الاقتصاد مزيداً من المرونة والقدرة على التكيف، مدعوماً بأسس اقتصادية قوية تتمثل في الإنفاق الاستهلاكي، والاستثمار الأجنبي المباشر، والتنويع الاقتصادي. وفي هذا السياق، أصدر معهد “ماستر كارد” تقريره السنوي تحت عنوان “التوقعات الاقتصادية 2025″، الذي أشار إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لدولة الامارات سيشهد نمواً بنسبة 5 في المئة على أساس سنوي في العام 2025، ما يعكس استمرار تفوقه على النمو العالمي الذي من المتوقع أن يسجل 3.2 في المئة، وهي زيادة طفيفة عن 3.1 في المئة في العام 2024.
وتأكيداً للرؤية المستقبلية الايجابية، توقع المصرف المركزي الاماراتي أن يشهد النمو تسارعاً ملموساً ليصل إلى 4.5 في المئة في العام 2025، على أن يتواصل هذا الارتفاع ليبلغ 5.5 في المئة في العام 2026. كما توقع المصرف أن ينمو الاقتصاد غير الهيدروكربوني بنسبة 5.3 في المئة في 2025، مع استمرار قطاعات مثل السياحة والنقل والخدمات المالية والعقارات والاتصالات في دعم الاقتصاد، في حين من المرجّح أن يقفز نمو الاقتصاد الهيدروكربوني إلى 7.7 في المئة في 2025.
وأشارت تحليلات الخبراء في “فوريكس.كوم”، إلى أنّ الامارات ستُواصل تحقيق نمو قوي خلال العام 2025، بحيث تتراوح التوقعات لنمو الناتج المحلي الإجمالي بين 6.2 في المئة بحسب المصرف المركزي الاماراتي، و5.1 في المئة تبعاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، و4.1 في المئة وفقاً للبنك الدولي. وأضاف التقرير أن معدل التضخم في الامارات قد انخفض تدريجياً ليصل إلى 2.4 في المئة على أساس سنوي في تشرين الأول 2024، وهي أبطأ وتيرة منذ آب 2023، ما يعزز التوقعات بأن استمرار سياسة التيسير النقدي التي بدأها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، والتي انعكست في سياسة المركزي الاماراتي، ستسهم في خفض أسعار الفائدة بصورة إضافية، ما يعزز بدوره النمو الاقتصادي في 2025.
وتظل التوقعات الاقتصادية في الامارات إيجابية على الرغم من المخاطر المحتملة مثل انخفاض أسعار النفط وتباطؤ الاقتصاد الصيني، بحيث يُتوقع أن يستمر التفاؤل بفضل السياسة النقدية المعتدلة التيسير من الصين في 2025. وستستمر القطاعات غير النفطية مثل التجارة والسياحة والتكنولوجيا في دعم النمو الاقتصادي، في الوقت الذي تسعى فيه الامارات الى توسيع تجارتها الخارجية إلى 25.6 تريليون درهم وزيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 60 مليار درهم سنوياً بحلول العام 2033.


