بتأييد شعبي واسع ودعم عربي ودولي، انتخب لبنان في التاسع من كانون الثاني 2025 العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية اللبنانية، ليُطوى بذلك فصل الفراغ الرئاسي ويبدأ عهد جديد من شأنه أن يُحدث تحولاً جوهرياً في تاريخ لبنان الحديث ويُعيد ملامح الاستقرار والتوازن إلى البلاد. ولن يقتصر تأثير هذا الانتخاب على الساحة السياسية وحسب، بل سيمتد ليشمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والانسانية المتدهورة منذ أكثر من خمس سنوات. ومن المتوقع أن يُشرّع انتخاب عون أبواب الأمل لاستعادة الثقة بالاقتصاد الوطني، ما يعزز فرص النهوض والتعافي ويُمهّد الطريق لإعادة بناء المؤسسات وترميم العلاقات، في وقت يتطلّع فيه اللبنانيون إلى قيادة حاسمة قادرة على تحقيق التغيير الجذري والمستدام.
عهد واعد للبنان
في خطاب القسم، وجّه الرئيس جوزاف عون سلسلة من الرسائل الواعدة والمطمئنة إلى الداخل والخارج، مُتعهداً ببدء مرحلة جديدة وإعادة بناء الدولة القوية، السيدة، الحرة والمستقلة. كما دعا إلى إجراء استشارات نيابية سريعة لتكليف رئيس حكومة يكون شريكاً في المسؤولية لا خصماً لها، بما يضمن التعاون بين مختلف القوى السياسية. كذلك، أكّد ضرورة إعادة هيكلة المؤسسات العامة لمواجهة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة منذ العام 2019، والتي تصاعدت حدتها بصورة كبيرة بفعل تكاليف إعادة إعمار الأضرار التي خلّفتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة، والتي تقدر بنحو 5.1 مليارات دولار.
إضافة إلى ذلك، شدّد الرئيس عون على عزمه إقامة أفضل العلاقات مع الدول العربية، انطلاقاً من انتماء لبنان العميق إلى محيطه العربي، ناهيك عن بناء شراكات استراتيجية مع دول المشرق والخليج لتعزيز التعاون في مختلف المجالات. وصرّح في خطابه بأهمية ممارسة سياسة الحياد الإيجابي، مؤكداً أن لبنان سيظل ملتزماً بتصدير أفضل ما لديه من منتجات وصناعات، فضلاً عن العمل على استقطاب السياح والطلاب والمستثمرين العرب.
شراكة استراتيجية رغم التحديات
لطالما كانت الدول العربية، وخصوصاً دول الخليج العربي، درعاً حصيناً للبنان، حيث لم تتوانَ يوماً عن الوقوف إلى جانبه في مختلف الأوقات والأزمات، ما جعل العلاقة بين الطرفين نموذجاً متميزاً ومثمراً، تُجسد متانة ارتباطها العميق بالتاريخ والهوية، وتتميز بالاحترام المتبادل والتعاون المستمر. وقد مثّلت العلاقات اللبنانية-الخليجية تحالفاً استثنائياً شمل مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وعلى الرغم من صلابة هذه الروابط، إلا أنها تشهد بين الحين والآخر بعض الهزات، كان آخرها الأزمة الديبلوماسية الحادة مع المملكة العربية السعودية في العام 2021، إثر تصريحات وزير الاعلام آنذاك، جورج قرداحي، التي انتقد فيها التحالف العربي بقيادة المملكة في حرب اليمن.
وقد أثارت هذه التصريحات استياءً كبيراً لدى دول الخليج، ما أسفر عن تداعيات سياسية واقتصادية بالغة الخطورة، تمثّلت في سحب السفراء الخليجيين من لبنان، ووقف المساعدات المالية، وفرض حظر على استيراد المنتجات اللبنانية. هذه الاجراءات ألحقت بلبنان خسائر ضخمة تجاوزت مليارات الدولارات، في وقت كان فيه بأمس الحاجة إلى كل دولار لإنقاذ اقتصاده المتعثر. وبحسب بيانات غرفة التجارة والصناعة والزراعة في لبنان، بلغت قيمة الصادرات اللبنانية إلى دول مجلس التعاون الخليجي في العام 2020 نحو 1.04 مليار دولار، من أصل إجمالي صادرات تجاوزت 3.8 مليارات دولار، ما يعكس أهمية هذه الأسواق الخليجية التي تمثل نحو 27 في المئة من إجمالي الصادرات اللبنانية، ويُبرز دورها الحيوي في دعم الاقتصاد اللبناني.
إلا أنّ المبادرة الكويتية كان لها دور كبير في استعادة الاهتمام العربي والخليجي بلبنان، حيث ساهمت بصورة بارزة في إنهاء القطيعة وإعادة السفراء الخليجيين إلى بيروت في العام 2022، ما ساعد في إعادة العلاقات إلى طبيعتها. إضافة إلى ذلك، بذلت دول الخليج جهوداً محورية لدعم استقرار لبنان، من خلال مشاركتها الفاعلة في اللجنة الخماسية لحل الأزمة الرئاسية، وتقديم الدعم المالي والاقتصادي للبنان مقابل تنفيذ إصلاحات شاملة. وقد أسفر هذا الدعم الديبلوماسي الخليجي عن إنهاء أزمة الشغور الرئاسي وفتح آفاق جديدة للبنان على الصعيدين السياسي والاقتصادي.
الخليج يدعم لبنان
على مدى عقود، قدّمت دول الخليج دعماً كبيراً للاقتصاد اللبناني، لا سيما بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990. فقد أسهمت المساعدات المالية الخليجية في إعادة إعمار لبنان وانتشاله من الركود، كما تم ضخ استثمارات ضخمة في قطاعات حيوية مثل العقارات والسياحة والصناعة، ما ساعد في خلق فرص عمل وتعزيز النمو الاقتصادي. تمثل الاستثمارات الخليجية نحو 85 في المئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في لبنان، بينما تُقدر قيمة الاستثمارات العقارية الخليجية بنحو 6 مليارات دولار. بالاضافة إلى ذلك، احتضنت دول الخليج ما يقارب نصف مليون من اللبنانيين الذين ساهموا بفاعلية في بناء هذه الدول وتطويرها، تاركين بصماتهم الواضحة في نسيجها الاجتماعي والاقتصادي.
وفي حرب تموز 2006، تلقّت الحكومة اللبنانية دعماً مالياً كبيراً من الدول العربية الصديقة، وبالأخص من دول الخليج، بلغ إجماليه 1.174 مليار دولار. فقد قدمت المملكة العربية السعودية دعماً مالياً قدره 734 مليون دولار على شكل هبات نقدية، بينما ساهمت الكويت بمبلغ 315 مليون دولار، وسلطنة عمان بـ 50 مليون دولار، والعراق بـ 35 مليون دولار. وكان لهذا الدعم العربي والخليجي الهائل دور بارز في تخفيف وطأة الحرب على لبنان، ودعم جهوده في إعادة الإعمار وتوفير الاحتياجات الانسانية.
أما في حرب أيلول 2024، وعلى الرغم من الدمار الهائل الذي خلفته الحرب والتكلفة الباهظة لإعادة الإعمار، التي تقدر بمليارات الدولارات وتحتاج إلى نحو 4 سنوات لإعادة بناء ما تدمّر، فإن الدعم الخليجي اقتصر في معظمه على المساعدات الانسانية الطارئة والإغاثية. إذ لن تُقدّم أي مساعدات مالية إضافية ما لم يتحقق الاستقرار الأمني والسياسي، ويتم تنفيذ إصلاحات شاملة تضمن الاستخدام الأمثل للمساعدات في عملية إعادة الإعمار، وتجنب أي استغلال أو فساد قد يعرقل جهود التعافي. وقد أكّدت القمة العربية الإسلامية غير العادية التي انعقدت في الرياض لمساندة لبنان هذا الموقف، بحيث أعربت عن دعمها الكامل للمؤسسات الدستورية اللبنانية في ممارسة صلاحياتها وبسط سيادتها على كامل أراضيها، مع التركيز خصوصاً على دعم القوات المسلحة اللبنانية باعتبارها الضامن لوحدة لبنان واستقراره، مشددةً على ضرورة الاسراع في انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة وفقاً لأحكام الدستور اللبناني.
لبنان في صميم العرب
يُجمع اللبنانيون، بكل أطيافهم، على أن انتخاب رئيس للجمهورية هو المفتاح الأساسي لحل جميع أزمات لبنان، إذ يفتح الطريق أمام تعزيز الثقة بمؤسسات الدولة واقتصادها، ويشجع على استئناف الاستثمارات وجذب الدعم العربي والدولي، الذي كان دائماً مُرتبطاً بانتخاب رئيس جديد للجمهورية قادر على إنقاذ البلاد وإعادة توجيه البوصلة نحو المسار الصحيح. واليوم، أصبح لبنان يمتلك رئيساً يحظى بدعم عربي كبير ويُولي أهمية قصوى لتعزيز العلاقات الاستراتيجية والمتينة، فضلاً عن مد جسور التعاون مع الدول العربية والخليجية، التي تُعد شريكاً أساسياً في عملية إعادة الإعمار ودعم الاقتصاد اللبناني.
فلبنان، الذي يعاني من تحديات اقتصادية هائلة، لا يُمكنه النهوض بمفرده من دون مساعدة أشقائه العرب الذين كانوا ولا يزالون الداعم الأول له في مختلف المحن. فالشراكة العربية الداعمة تبقى الضمانة الوحيدة لنهضة البلاد وتقدّمها. وبعد الدعم الديبلوماسي والسياسي الرفيع الذي تلقّاه لبنان من الدول العربية، يأمل اللبنانيون في أن يكون ذلك بداية لمرحلة جديدة من الدعم الاقتصادي والمادي الذي طال انتظاره. ويبقى السؤال الأبرز: هل ستتحقّق للبنان في عهد الرئيس جوزاف عون عودة قوية إلى الحضن العربي واستعادة مكانته الاقتصادية المرموقة في قلب الخريطة الخليجية؟


