القطاع المالي اللبناني 2025: تفاؤل مشروط بآفاق إعادة الإعمار

سوليكا علاء الدين

لطالما شكّل لبنان مركزاً مالياً رائداً في منطقة الشرق الأوسط، حيث لعب القطاع المصرفي دوراً محورياً في تعزيز الاقتصاد على الأصعدة المحلية والاقليمية والدولية كافة. وقد تميز هذا القطاع بنظامه المتطور وجودة خدماته المالية الرفيعة التي حازت ثقة المؤسسات العالمية المرموقة وتقديرها. كما شهدت أسواق التأمين نمواً ملحوظاً، وازدهرت حركة تداول الأسهم في بورصة بيروت، ما أسهم بصورة كبيرة في تعزيز السيولة المالية وجذب الاستثمارات، بحيث حافظت على استقرار نسبي مقارنة بالأسواق العالمية.

وعلى الرغم من هذا الانتعاش، تسببت الأزمات الاقتصادية المتتالية التي ألمّت بالبلاد في زعزعة النظام المالي والمصرفي وتراجع تأثيره الحيوي. ومع عودة الأمل إلى لبنان إثر التطورات السياسية الأخيرة، سادت أجواء من التفاؤل والايجابية على الساحة اللبنانية، لا سيما مع ظهور مؤشرات مشجعة حول إمكان تشكيل حكومة قادرة على تنفيذ الاصلاحات الهيكلية المطلوبة، ودفع عجلة إعادة الاعمار، واستقطاب الدعم؛ لتُفتح آفاق جديدة للنهوض بالاقتصاد اللبناني وقطاعاته المتنوعة، مع التركيز على إعادة بناء القطاع المالي والمصرفي.

بين الانتعاش والضغوط

وفقاً لتقرير حديث صادر عن “فيتش سوليوشنز”، من المتوقع أن يشهد قطاع الخدمات المالية اللبناني تفاؤلاً حذراً في العام 2025، مدفوعاً بانتعاش ما بعد الحرب وعمليات إعادة الإعمار، مع تقديرات بنمو الناتج المحلي الاجمالي بنسبة 6.0 في المئة بعد انكماش حاد بلغ 18 في المئة في العام 2024. وبينما يستفيد قطاع التأمين من زيادة الطلب الناجم عن أنشطة إعادة الاعمار، يعاني القطاع المصرفي من مشكلات هيكلية مستمرة لم تُحل بعد. وفي الوقت ذاته، يشهد قطاع إدارة الأصول استقراراً بفضل عودة المستثمرين الأجانب بحذر إلى السوق، على الرغم من أن النشاط في بورصة بيروت لا يزال محدوداً نتيجة عدم الاستقرار والمخاطر المحتملة المرتبطة بالانسداد السياسي المستمر.

وفي تفاصيل التقرير، لا يزال القطاع المصرفي اللبناني يعاني من ضغوط شديدة على الرغم من وقف إطلاق النار الهش الذي أثار آمالاً في الاستقرار الاقتصادي. فقد انخفضت الأصول بنسبة 58 في المئة منذ العام 2018، وتراجعت القروض بنسبة 90 في المئة بسبب انخفاض قيمة العملة وقيود رأس المال. وقد تُحسّن إعادة الإعمار بعد الحرب وزيادة التمويل الأجنبي مؤقتاً أرباح البنوك عبر الرسوم والعمولات وتمويل الاستيراد، إلا أن نشاط الإقراض ما زال مُعطلاً بسبب الاصلاحات المعلقة في القطاع المالي، والخسائر التي تقدر بنحو 7.66 مليار دولار أميركي، فضلاً عن الأزمة السياسية المستمرة. كما أن وجود لبنان على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF) يزيد من تعقيدات القطاع، إذ يعرقل سير المعاملات الدولية ويقوّض الثقة. وعلى الرغم من استئناف الإقراض المؤسسي الانتقائي، فإن عدم وجود تغييرات هيكلية، والظروف السياسية غير المستقرة، والتهديدات الأمنية المتزايدة تظل تشكّل تهديداً لآفاق التعافي، ما يحول دون نمو الائتمان إلى مستويات ما قبل الأزمة.

أما في ما يتعلّق بأصول القطاع المصرفي اللبناني، فمن المتوقع أن تنخفض بنسبة 2.6 في المئة في العام 2025 قبل أن تشهد انتعاشاً بنسبة 28.8 في المئة في العام 2028، ما يشير إلى استقرار متوقع في سعر الصرف وزيادة في ثقة المستثمرين. ومع ذلك، لا تزال نقاط الضعف الهيكلية قائمة، حيث تمثل الأصول أكثر من 250 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وتوقّع التقرير أن تنخفض ودائع العملاء إلى 7,105 تريليون ليرة لبنانية (79 مليار دولار أميركي) في العام 2025، أي بانخفاض 10 في المئة على أساس سنوي، ما يعكس انخفاض ثقة المودعين واستمرار ضوابط رأس المال غير الرسمية. وبحسب التقديرات، من المتوقع أن تنتعش الودائع بصورة طفيفة لتصل إلى 5,307 تريليون ليرة لبنانية (59 مليار دولار أميركي) بحلول العام 2028، بمعدل نمو سنوي قدره 15.3 في المئة مدفوعاً بالاستقرار التدريجي.

ولا تزال نسبة القروض إلى الودائع منخفضة، ولكنها ستتحسن من 5.64 في المئة في العام 2025 إلى 9.81 في المئة في العام 2028، ما يعكس محدودية نشاط الإقراض على الرغم من التحسن الطفيف. بالمثل، تنخفض نسبة القروض إلى الأصول بصورة ضعيفة من 4.31 في المئة في العام 2025 إلى 3.31 في المئة في العام 2028، ما يعني استمرار محدودية توافر الائتمان واعتماد القطاع المصرفي بصورة كبيرة على العمليات غير المتعلقة بالإقراض لتحقيق الايرادات، وفقاً للتقرير.

تفاؤل حذر

وعلى الرغم من الاستقرار الاقتصادي الملحوظ الذي أعقب اتفاق وقف إطلاق النار، يُتوقع أن يواجه قطاع إدارة الأصول في لبنان تحديات كبيرة بحلول العام 2025. إذ سيعوق تعافي القطاع استمرار حالة عدم اليقين السياسي، والتغييرات غير المُعالجة في القطاع المصرفي، فضلاً عن انخفاض ثقة المستثمرين. ومع أن جهود إعادة الإعمار بعد الحرب وعودة النمو في الناتج المحلي الإجمالي قد تُوفر بعض الفرص لمديري الأصول، إلا أنه من غير المرجح أن تُعوض تأثيرات التضخم المفرط، وتقلبات العملة، وقيود تدفقات رأس المال. وإذا توفر التمويل الدولي، فقد يسهم في تعزيز الاستثمارات المؤسسية، لكن من المتوقع أن يظل نشاط الاستثمار الفردي منخفضاً بسبب تراجع القدرة الشرائية وزيادة المخاطر.

كما من المرجح أن يواجه سوق الأوراق المالية في لبنان صعوبات جمّة في العام 2025، على الرغم من تحسن الناتج المحلي الإجمالي بعد توقيع اتفاق الهدنة. ويعزى ذلك إلى استمرار انخفاض ثقة المستثمرين، وشح السيولة، والمخاطر الاقتصادية الهيكلية التي لا تزال تلقي بظلالها على الاقتصاد اللبناني. وسيستمر التضخم المرتفع وتقلبات العملة في تقويض القيمة الحقيقية للاستثمارات، بينما يواصل التعطيل السياسي الدائم وغياب الإصلاحات المالية إعاقة استقرار السوق وتوسعه. قد يشهد سوق بيروت للأوراق المالية مكاسب متواضعة من العمليات المتعلقة بإعادة الإعمار والتمويل الدولي المحتمل، لكن من غير المرجح أن تؤدي هذه العوامل إلى زيادات كبيرة في أحجام التداول أو الأسعار، وفقاً لـ “فيتش سوليوشنز”.

التعافي المُرتقب

منذ 9 كانون الثاني، يعيش لبنان حالة من الأمل والتفاؤل الحذر، بحيث يترقب جميع اللبنانيين عودة البلاد إلى مسار التعافي الاقتصادي والمالي والاجتماعي والسياسي المستدام. ويعكس هذا التفاؤل توقعات بأن الحلحلة السياسية ستفتح الطريق لمعالجة الأزمات المتواصلة منذ خمس سنوات، خصوصاً في ما يتعلق بإعادة هيكلة الديون والقطاع المصرفي وأموال المودعين وسعر صرف الليرة اللبنانية. ويهدف ذلك إلى استعادة الاستقرار المالي والنقدي، وجذب التمويل الخارجي، ما يشكل خطوة فاصلة لتسريع عملية إعادة الإعمار المُلحة وإرساء دعائم مستقبل اقتصادي مستقر ومزدهر للبنان.

شارك المقال