بعد ستة وعشرين يوماً من التكليف، أبصرت حكومة “الاصلاح والانقاذ” النور في لبنان، لتنعش الآمال وتُعيد الثقة التي تمت استعادتها مع انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية. ومنذ لحظة الانتخاب، مروراً بالتكليف وصولاً إلى التأليف، تصدّرت المطالبة بالاصلاحات المشهد اللبناني، باعتبارها المفتاح الوحيد الذي سيُشرّع الأبواب أمام الدعم المالي الدولي ويطلق عملية إعادة الاعمار الضرورية للنهوض بالبلاد.
فالرئيس عون لم يتوانَ عن توجيه الوزراء الجدد نحو هذا الهدف، داعياً إياهم الى العمل بجدية لتنفيذ الاصلاحات ومحاربة الفساد المستشري، مؤكداً أن “لا بلد مفلس، بل إدارة مفلسة”. من جانبه، شدد الرئيس نواف سلام على أن الاصلاح هو الطريق الوحيد لإعادة بناء لبنان، مُؤكداً ضرورة استكمال تنفيذ اتفاق الطائف والمضي قدماً في الاصلاحات المالية والاقتصادية. وعلى الرغم من هذه الدعوات، لا يزال طريق تنفيذ الاصلاحات معبّداً بالصعاب والمطبات، وهو ما تناولته شركة “جيه بي مورغان تشيس آند كو” للخدمات المالية العالمية في أبرز توقعاتها بشأن الوضع اللبناني، لافتةً إلى الفرص والتحديات التي قد تؤثر على مسار التعافي.
الاصلاح بين السياسة والاقتصاد
الشركة أشارت إلى أن التطورات الايجابية الأخيرة في لبنان قد رفعت الآمال في تطبيع الأوضاع السياسية في البلاد، ما يشير إلى إمكان تحقيق استقرار اقتصادي. ومع ذلك، حذّرت “جيه بي مورغان تشيس آند كو” من أن هذه الأحداث تمثل فقط الخطوة الأولى، إذ لا يزال الوضع السياسي بعيداً عن الاستقرار، نظراً الى الاطار المعقد والتوازن الدقيق الذي يواجهه رئيس الوزراء الجديد. وبالتالي، اعتبرت أن القضايا الاقتصادية ستظل في المرتبة الثانية مقارنة بالأولويات السياسية في الوقت الحالي.
وعلى الرغم من ذلك، توقعت الشركة أن يتحول التركيز إلى الاقتصاد بمجرد التغلب على العقبات السياسية. وأوضحت أن الاقتصاد اللبناني يعيش في أزمة منذ قرار الحكومة بالتخلف عن سداد سندات اليوروبوند السيادية في آذار 2020، وتبع ذلك جائحة كوفيد-19، وانفجار مرفأ بيروت، وحرب أيلول الأخيرة، إضافة إلى التراجع الحاد في التدفقات المالية من غير المقيمين والمصادر الخارجية الأخرى.
كما لفتت إلى أن جهود إعادة الإعمار وإعادة بناء الاقتصاد تتطلب دعماً كبيراً من الشركاء الخارجيين، بما في ذلك الدعم الثنائي والمتعدد الأطراف، والذي يعتمد بدوره على التطورات السياسية المستمرة وخطة الاصلاحات المستقبلية. وأضافت أن الاستقرار السياسي سيسهم أيضاً في تحويل التركيز نحو معالجة أزمة السيادة والمصارف.
الدعم المُنتظر
في هذا السياق، أوضحت الشركة أن السلطات اللبنانية ستحتاج إلى وضع خطة إصلاحات بالتعاون مع صندوق النقد الدولي (IMF)، تمهيداً للحصول على التمويل الخارجي وتخفيف الديون من الدائنين. كما أشارت إلى أن السلطات لم تنفذ الاجراءات المطلوبة وفقاً لاتفاقية مستوى الموظفين التي وقعها لبنان مع صندوق النقد الدولي في نيسان 2022، مؤكدة أن نقطة البداية لأي اتفاق جديد مع الصندوق ستكون استناداً إلى اتفاقية 2022. ورأت أن تحديد مستوى الاصلاحات اللازمة سيشكل تحدياً كبيراً، بحيث إن وضع الاطار المالي الكلي لتنفيذ الاصلاحات سيخضع لمستوى عالٍ من عدم اليقين، نظراً الى حجم الضرر الذي لحق بالاقتصاد، وضرورة إجراء تعديلات كبيرة في الميزانية العمومية، إضافة إلى ندرة توافر البيانات اللازمة.
الى ذلك، أفاد صندوق النقد الدولي بأنه يواصل إجراء مشاورات مكثفة مع أصدقاء لبنان لتقديم الدعم المطلوب، مؤكداً استعداده للتحرك بسرعة وفاعلية. كما أشار إلى أن الوضع الراهن في لبنان يفرض ضرورة اتخاذ خطوات عاجلة لتنفيذ الاصلاحات الاقتصادية. وكان الصندوق أعرب عن تطلعه الى العمل بصورة وثيقة مع الرئيس جوزاف عون، والحكومة اللبنانية الجديدة من أجل تعزيز وتكثيف الجهود الرامية إلى تحقيق الاصلاحات الاقتصادية والمالية الضرورية، بما يسهم في تحسين الأوضاع الاقتصادية واستقرار البلاد.
تحديات إعادة الهيكلة
أما بالنسبة الى سندات اليوروبوند، فقد أظهرت قوة ملحوظة، بحيث كان لبنان الأفضل أداءً في مؤشر “جيه بي مورغان” العالمي المتنوع للسندات السيادية في الأسواق الناشئة (EMBI Global Diversified) العام الماضي، وذلك بفضل التطورات السياسية الايجابية وبيئة المخاطر العالمية الداعمة. ومع ذلك، أعربت شركة “جيه بي مورغان تشيس آند كو” عن حذرها بشأن الأداء المستقبلي، نظراً الى المخاطر التي تهدد الاستقرار السياسي في البلاد والعقبات التي يجب التغلب عليها قبل بدء مفاوضات إعادة الهيكلة. واعتبرت أن السلطات ستعطي الأولوية لاستعادة استقرار القطاع المالي، وإعادة رسملة البنوك، وإجراء “إنقاذ المودعين” على إعادة هيكلة سندات اليوروبوند السيادية، بالنظر إلى الحجم النسبي للديون.
وأضافت أن إعادة هيكلة سندات اليوروبوند ستتطلب تحليلاً شاملاً لاستدامة الديون. ومع ذلك، قدرت أن تسعير السوق، بناءً على المستويات الحالية، يدل على تخفيض بنسبة 70 في المئة مع تمديد فترة الاستحقاق لمدة 10 سنوات والتخفيف في قسائم السندات القائمة. وأشارت إلى أن نقص البيانات الموثوقة والأرقام الاقتصادية الكلية المتسقة يجعل من الصعب تقدير التخفيف المطلوب لاستدامة الديون.
إصلاحات لبنان شرط التعافي
وأكد حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري، على هامش مشاركته في القمة العربية للحكومات التي عُقدت في دبي، أن مديرة صندوق النقد الدولي مستعدة لزيارة بيروت قريباً، مع إمكان العودة إلى التفاوض مع الصندوق بعد نيل الحكومة الثقة. يُذكر أن فريقاً من صندوق النقد الدولي قام بزيارة لبنان في الفترة ما بين 20 و23 أيار، وتم التباحث في التطورات الاقتصادية الأخيرة والتقدم المحرز في الاصلاحات الرئيسية. وصرح الفريق بأن عدم اتخاذ إجراءات عاجلة بشأن الاصلاحات الاقتصادية الضرورية يلحق خسائر فادحة بالاقتصاد اللبناني ويؤثر سلباً على المواطنين، مؤكداً أن هذه الاصلاحات تعد شرطاً أساسياً لتحقيق تعافٍ اقتصادي قوي ومستدام، فضلاً عن جذب استثمارات جديدة وتوفير الدعم المالي الدولي اللازم لإنعاش البلاد.
وأضاف منصوري أن الوضع النقدي قد شهد تحسناً ملحوظاً بعد انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار السندات يعكس تحسن النظرة المستقبلية للوضع السياسي والمالي في لبنان. كما أوضح أن الحكومة الجديدة ستبدأ بالتواصل مع حاملي السندات، وأن الأسواق باتت تتوقع نسبة استرداد أعلى من 25 في المئة لحاملي اليوروبوندز. وأكد أن الأولوية في السداد ستكون لأصحاب الودائع قبل حاملي السندات. وفي هذا السياق، شدّد منصوري على أن الحكومة تعمل على بناء علاقة ثقة مع المستثمرين من حاملي السندات، لافتاً إلى أن محفظة الودائع لدى البنوك اللبنانية تقدر بنحو 86 مليار دولار.
إذاً، لا دعم مالي ولا إعادة إعمار يمكن أن يتحققا من دون تنفيذ الاصلاحات الجوهرية التي طال انتظارها. فهل سيتمكن العهد الجديد من كسر هذه الحلقة المفرغة من التأجيل والتحديات، والمضي قدماً في تطبيق الاصلاحات اللازمة لإعادة بناء اقتصاد لبنان وتحقيق الاستقرار المنشود؟


