في ظل التحديات المتزايدة، يتصدر “الاصلاح” جدول أعمال المرحلة المقبلة في لبنان، الذي يشهد زخماً إيجابياً متصاعداً نحو تحقيق تقدم ملموس مع بداية عهد الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام. فقد أبدت الحكومة في بيانها الوزاري عزمها على العمل لإبرام برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي والمضي قدماً في تنفيذ الاصلاحات الضرورية. يأتي هذا في وقت تتزايد فيه المطالب المحلية والدولية الملحة للبدء بهذه الاصلاحات، في ظل أزمة اقتصادية ومالية لا تزال تحاصر لبنان. بالاضافة إلى ذلك، فإن تداعيات حرب أيلول الأخيرة تركت آثاراً كبيرة على الاقتصاد اللبناني، ما أدى إلى تدهور إضافي في جميع مؤشرات التصنيف، لا سيما المالية منها، التي بقيت منخفضة عند مستويات سلبية نتيجة للتقاعس المستمر في تنفيذ الاصلاحات والتشريعات اللازمة. وبالتالي، أصبح رفع التصنيف الائتماني مرهوناً بتطبيق الاصلاحات الهيكلية، تماماً كما هو الحال بالنسبة الى استعادة مسار التعافي وعودة النهوض الاقتصادي.
فرص التصنيف الائتماني
في تقييمها نصف السنوي للملف الائتماني السيادي للبنان، أكّدت وكالة “S&P Global Ratings” أن التصنيفات الائتمانية السيادية للبنان بالعملات الأجنبية على المدى الطويل والقصير، والتي تحمل تصنيف “التخلف الانتقائي عن السداد ” (SD)، تظل تعكس قرار الحكومة اللبنانية بالتخلف عن سداد التزاماتها من الديون بالعملات الأجنبية في آذار 2020. وأوضحت الوكالة أنه يمكنها رفع تصنيفها الائتماني السيادي بالعملات الأجنبية على المدى الطويل إذا أكملت الحكومة إعادة هيكلة ديونها التجارية، ما يعكس الجدارة الائتمانية للبنان بعد إعادة الهيكلة، بالنظر إلى العبء الناتج عن الديون وآفاق السياسة الاقتصادية.
وفي التفاصيل، أشارت الوكالة إلى أن نظرتها “السلبية” لتصنيف لبنان بالعملات المحلية على المدى الطويل من فئة “CC” تعكس احتمالية قيام الحكومة بإعادة هيكلة ديونها بالعملات المحلية كجزء من برنامج إعادة هيكلة ديون أوسع. وأضافت أنه يمكنها تخفيض التصنيف الائتماني بالعملات المحلية إلى “SD” إذا شمل برنامج إعادة هيكلة الديون تخفيضات أو تمديدات للآجال على ديون العملة المحلية، أو إذا تخلفت الحكومة عن سداد المدفوعات المتعلقة برأس المال أو الفوائد على التزاماتها تجاه دائن تجاري. وأوضحت أنها قادرة على تعديل النظرة المستقبلية لتصنيف العملة المحلية على المدى الطويل من “سلبية” إلى “مستقرة”، أو تحسين التصنيف الائتماني للعملة المحلية، إذا تبين لها تراجع فرص حدوث تبادل متعثر لديون لبنان التجارية المقومة بالعملة الوطنية، وتحقيق تحسن واضح في السياسة الاقتصادية المحلية.
تحديات التصنيف والإصلاح
وفي هذا الصدد، لم تتوقع الوكالة تحقيق تقدم كبير في إعادة هيكلة ديون الحكومة في المدى القريب، نظراً الى البيئة السياسية غير المستقرة والاطار الزمني المحدود حتى إجراء الانتخابات البرلمانية في أيار 2026. وأضافت أنه في كانون الأول 2025، وافق مجلس الوزراء على تعليق فترة تقادم السندات اليوروبوند حتى 9 آذار 2028، وأعرب عن استعداده لتحقيق “حل توافقي وعادل لديون اليوروبوند”. وأشارت إلى أن الخلافات بين المؤسسات السياسية الرئيسية بشأن أسباب الأزمة الاقتصادية ونطاقها، وكذلك مسار إعادة هيكلة الديون، مثل معالجة قضية المودعين، تعوق التفاوض مع المستثمرين حول اتفاقية إعادة الهيكلة. ومع ذلك، شدّدت على أن الاصلاحات السياسية الموثوقة والتوافق السياسي هما العنصران الأساسيان لإعادة تنشيط هذه العملية.
وأضافت أن الحكومة استأنفت دفع أقساط سندات الدين بالليرة اللبنانية إلى مصرف لبنان بعد توقف دفع الفوائد في العام 2021، مُتوقعة أن تبدأ الحكومة بتسديد ديونها التجارية المتأخرة عن الفترة من 2021 إلى 2023 ابتداءً من العام 2025. كما رجّحت أن تبلغ تكاليف خدمة الديون الحكومية 10 في المئة من الايرادات خلال الفترة بين 2025 و2028، واعتبرت أن احتمالية عدم الوفاء بديون العملة المحلية التجارية عالية بسبب الضغوط المالية الحكومية، وعدم وضوح نطاق وموعد إعادة هيكلة الدين العام والقطاع المصرفي.
بالاضافة إلى ذلك، قدرت الوكالة أن مفاوضات إعادة هيكلة الديون قد تستغرق وقتاً أطول في حال غياب الالتزام القوي بتنفيذ الاصلاحات الهيكلية في المجالات الاقتصادية والمالية والنقدية، ومن دون وجود دعم سياسي يتم توفيره من خلال برنامج شامل مع صندوق النقد الدولي. وفي الوقت نفسه، توقعت الوكالة أن تؤثر الحوكمة الضعيفة، وفقدان الفعالية المؤسسية، والوضع الأمني الهش، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، على النشاط الاقتصادي وعملية التعافي. ومع ذلك، فإن تشكيل حكومة جديدة بعد أكثر من عامين من وجود حكومة تصريف أعمال قد يسهم في إحياء الاصلاحات، بحيث ستركز أجندة الحكومة المقبلة على تحسين الظروف الأمنية، وإصلاح القطاع المالي، وإعادة إعمار جنوب لبنان.
حذر.. وتفاؤل
ويُعدّ الدعم المالي من المنظمات متعددة الأطراف والشركاء الثنائيين أمراً بالغ الأهمية لنجاح أي خطة إصلاح. إلا أن المشهد السياسي المجزّأ قد يعقّد عملية صنع السياسات وجهود إعادة هيكلة الديون. وتوقعت الوكالة أن يسجل الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي في لبنان معدل نمو يبلغ نحو 1.8 في المئة خلال الفترة من 2025 إلى 2026، وذلك في حال استمرار اتفاق وقف إطلاق النار وبدء عمليات إعادة الاعمار الأولية، ما قد يخفف من الأعباء الاقتصادية التي تعاني منها البلاد. ومع ذلك، حذّرت من أن المخاطر الأمنية الكبيرة قد تؤثر سلباُ على النمو الاقتصادي في لبنان. كما توقّعت أن يصل الناتج المحلي الاجمالي الاسمي إلى 30.2 مليار دولار في العام 2025، ويصل إلى 33 مليار دولار في العام 2026، على أن يرتفع إلى 36.5 مليار دولار بحلول العام 2028.
على صعيد آخر، قد تُسهم جهود تعبئة الايرادات والامتثال الضريبي في المدى القريب إلى المتوسط في تعزيز الايرادات العامة، شريطة أن تقوم الحكومة الجديدة بتنفيذ الاصلاحات المالية في الوقت المناسب. وبحسب وكالة “S&P Global Ratings”، من المرجح أن يؤدي انخفاض معدلات التضخم إلى توفير بعض المساحة لإجراء التعديلات المالية، على الرغم من أن ضغوط الإنفاق ستظل مرتفعة بسبب احتياجات الإعمار العاجلة وأجور القطاع العام المرتفعة. ونتيجة لذلك، أشارت تقديرات الوكالة إلى إمكان أن يتراوح العجز المالي بين 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في الفترة من 2026 إلى 2028. كما اعتبرت أن صرف القروض الميسرة وتمويلات المانحين قد يسهم في تخفيف بعض القيود التمويلية الحالية.
ومن المتوقع أن يظل عجز الحساب الجاري كبيراً في الفترة من 2025 إلى 2028، على أن يتم تمويل العجز من خلال تدفقات التحويلات غير المسجلة ومدخرات العملة الأجنبية المقيمة المتراكمة. كما أن القيود الادارية في القطاع العام وتعدد أسعار الصرف أديا إلى محدودية وكثرة البيانات المالية المعلنة. وبناءً على ذلك، ذكرت الوكالة أن البيانات السابقة والتنبؤات التي تقوم بها تخضع لدرجة كبيرة من عدم الوضوح، وأن هذا الاتجاه سيظل قائماً في الفترة المقبلة، لكنها لفتت إلى أن السلطات تتعاون مع صندوق النقد الدولي لتحسين مصداقية البيانات المالية.
وفي الوقت ذاته، أوضحت أن إجمالي الاحتياطيات الأجنبية لمصرف لبنان، بما يشمل الذهب باستثناء حيازات سندات اليوروبوند، بلغ نحو 35 مليار دولار في 15 تموز 2024، مقارنةً بـ 52 مليار دولار في نهاية العام 2017. وتتضمن هذه الاحتياطيات نحو 10 مليارات دولار كاحتياطيات إلزامية على ودائع البنوك بالعملات الأجنبية، ما يعني أن الاحتياطيات المتاحة للاستخدام تقدر بنحو 24 مليار دولار في نهاية العام 2024. وتُشير التقديرات إلى أن احتياطيات مصرف لبنان القابلة للاستخدام ستصل إلى 25.2 مليار دولار في نهاية العام 2025، و26.5 مليار دولار في نهاية العام 2026، و27.9 مليار دولار في نهاية العام 2027، و29 مليار دولار في نهاية العام 2028.
الخيار الأوحد
باتت الاصلاحات الخيار الوحيد لإنقاذ لبنان من أزماته المتراكمة، وهي السبيل الأوحد لتدفق الدعم والمساعدات المالية، فضلاً عن تحسين تصنيفه الائتماني واستعادة مسار التعافي والنمو. مع تزايد التحديات، تتجه الأنظار نحو الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام، اللذين يعوّل اللبنانيون على إرادتهما الوطنية والسياسية في تنفيذ الاصلاحات الجذرية اللازمة، والتي ستكون القوة الحاسمة في بناء لبنان الجديد الذي يطمح إليه شعبه منذ سنوات.


