مؤشر مديري المشتريات: تفاؤل يُعزز نمو القطاع الخاص اللبناني

سوليكا علاء الدين

تلوح في أفق لبنان بوادر أمل جديدة، بحيث تتناغم هذه المرحلة مع إرادة قوية من العهد الجديد للتصدي للأزمات الاقتصادية والمالية المعقدة، واتخاذ خطوات حاسمة نحو تنفيذ الاصلاحات اللازمة. ويُبشّر هذا التوجه الواعد بفتح آفاق واسعة أمام القطاع الخاص لاستعادة قدرته على جذب الاستثمارات وتحفيز عجلة النمو، بعد سنوات من التحديات التي أثقلت كاهله وأثرت سلباً على إمكاناته الإنتاجية والتوسعية، حتى أصبح هدف شركات القطاع الخاص ومؤسساته هو البقاء والصمود فقط، بدلاً من السعي نحو تحقيق الازدهار والنمو. ولا شك في أنه لا يمكن لأي مسار للتعافي أن يتحقق من دون تحفيز القطاع الخاص وتقديم الدعم اللازم له، بحيث يبرز هذا القطاع كعنصر حاسم في دفع عجلة الاصلاحات وتحقيق الانتعاش الاقتصادي.

وفي هذا السياق، تشير أحدث البيانات الصادرة لشهر شباط 2025 إلى استمرار تحسن النشاط الاقتصادي في القطاع الخاص اللبناني خلال الربع الأول من العام 2025، حيث سجل مؤشر مديري المشتريات (BLOM PMI) قراءة بلغت 50.5 نقطة، متفوقاً بذلك على المستوى المحايد البالغ 50 نقطة.

تفاؤل يدعم التعافي

على الرغم من التحديات الاقتصادية وانخفاض المؤشر بصورة طفيفة مقارنة بشهر كانون الثاني 2025 (50.6 نقطة)، فإن القراءة الايجابية لمؤشر مديري المشتريات تظل تعكس تفاؤلاً واضحاً في أوساط الأعمال اللبنانية، مدعومة بانتخاب رئيس للجمهورية مؤخراً، بالاضافة إلى الآمال المتزايدة في تعافي قطاع السياحة. وقد ساهمت في هذا التحسن زيادة الطلبيات الجديدة، لا سيما طلبات التصدير المدفوعة بالعملات الأجنبية. كما شهد القطاع الخاص اللبناني مؤشرات إيجابية أخرى، إذ ارتفع حجم المشتريات بالتوازي مع تحسن المبيعات، في حين زادت فرص العمل نتيجة لارتفاع عدد العاملين، بحيث قامت شركات القطاع الخاص اللبناني بزيادة عدد موظفيها للمرة الأولى منذ تشرين الثاني 2023، ما يعكس تفاؤلًا بالمستقبل. كما ظلت توقعات الشركات للعام المقبل إيجابية، إذ تتوقع الشركات المشاركة في الدراسة استمرار النمو في نشاطها التجاري خلال الأشهر الاثني عشر القادمة.

انتعاش القطاع الخاص

وفي أبرز النتائج الرئيسية خلال الشهر الماضي، استمرت قوة الطلب في نتائج القراءة الأخيرة، بحيث سجلت الطلبيات الجديدة زيادة للشهر الثاني على التوالي في شباط 2025، وإن كان بمعدل نمو أقل. ومع ذلك، سجل معدل ارتفاع المبيعات أحد أعلى المعدلات تاريخياً، ما يشير إلى زيادة حجم الأعمال الجديدة الواردة من العملاء الدوليين. كما سجلت شركات القطاع الخاص اللبناني زيادة في طلبيات التصدير الجديدة للمرة الأولى منذ تشرين الثاني 2023، ما يشير إلى انتعاش في الأنشطة التجارية.

كما ساهمت زيادة طلبات العملاء بصورة مباشرة في نمو النشاط التجاري لشركات القطاع الخاص اللبناني خلال شباط 2025، ما أدى إلى تسارع النشاط التجاري للشهرين المتتاليين لأول مرة منذ أكثر من عام ونصف العام. ومع ذلك، أدى تحسن أداء المبيعات إلى الضغط على القدرات التشغيلية لشركات القطاع الخاص اللبناني، كما تجلى في زيادة الطلبيات غير المنجزة. في الواقع، كان مستوى التراكم في الأعمال غير المنجزة هو الأعلى منذ بدء الدراسة في أيار 2013.

مشتريات قياسية وتضخم متصاعد

في الوقت ذاته، شهدت الأنشطة الشرائية في شركات القطاع الخاص اللبناني ارتفاعاً مجدداً، بحيث كان معدل الأنشطة الشرائية الأسرع في أكثر من أحد عشر عاماً ونصف العام. وفي المقابل، سجلت مخزونات مستلزمات الإنتاج زيادة ملحوظة، مدعومة بتسريع مواعيد تسليم الموردين. وقد أسهمت هذه التحسينات في سلاسل الامداد في دعم النشاط التجاري العام.

في ما يتعلق باتجاهات التسعير، أشارت بيانات الدراسة الأخيرة إلى تصاعد الضغوط التضخمية على الأسعار في شركات القطاع الخاص اللبناني، بحيث ارتفعت النفقات التشغيلية نتيجة للزيادة الحادة في أسعار الشراء. كما أظهرت الأدلة ارتفاع أسعار الشحن بالتزامن مع ارتفاع أسعار الموردين. ونتيجة لذلك، كان معدل الارتفاع في إجمالي التكاليف هو الأعلى في أربعة أشهر.

وسعياً الى الحفاظ على هوامش ربحها، رفعت الشركات المشاركة في الدراسة أسعار سلعها وخدماتها في شباط 2025، ما أدى إلى ارتفاع معدل تضخم أسعار الإنتاج إلى أعلى مستوى له في ثلاثة وعشرين شهراً، ما يعكس تأثيرات الضغوط التضخمية المستمرة على الاقتصاد المحلي.

مفتاح النمو

يعد القطاع الخاص شريكاً استراتيجياً أساسياً في النهوض بمقومات الدولة، بحيث يلعب، إلى جانب القطاع العام، دوراً محورياً في تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية. وفي ظل التوجه نحو تحقيق التعافي المنشود، يعزز التحسن الملحوظ في النشاط الاقتصادي للقطاع الخاص اللبناني، كما يظهر في نتائج مؤشر مديري المشتريات، التفاؤل المتزايد بقدرة البلاد على إعادة جذب الاستثمارات وتحقيق نمو مستدام ليس للقطاع الخاص وحسب، بل أيضاً للاقتصاد الوطني الذي أصبح في أمس الحاجة إلى النهوض بعد سنوات من الركود والانهيار.

شارك المقال