لبنان: عيّنة مُقلقة لـ 286 مليون جائع في العالم

سوليكا علاء الدين

أطلقت الشبكة العالمية لمكافحة الأزمات الغذائية وشبكة معلومات الأمن الغذائي النسخة الثامنة من التقرير العالمي حول الأزمات الغذائية لعام 2024. وكشف التقرير عن رقم قياسي مخيف، بحيث وصل عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد ويحتاجون إلى مساعدات غذائية عاجلة إلى 286.1 مليون شخص في 59 دولة/إقليماً، ما يمثّل زيادة مقلقة عن 250 مليوناً مقارنة بالعام 2022.

كارثة غذائية

يُعدّ رقم عام 2023 الأعلى منذ ثماني سنوات بعد خمس زيادات سنوية متتالية في عدد سكان العالم الرازحين تحت وطأة انعدام الأمن الغذائي. ويعاني نحو 202.6 مليون (أي 72 في المئة) من أصل 281.6 مليون فرد من انعدام الأمن الغذائي الحاد، إذ تم تصنيفهم ضمن (IPC/CH) المرحلة 3 أو أعلى. وبهدف توضيح المصطلحات التي استخدمت، تمّ تقسيم التصنيف الدولي(IPC/CH) إلى 5 مستويات لنقص الأمن الغذائي على النحو التالي: المرحلة 1 (الحد الأدنى/لا يوجد نقص (IPC/CH، المرحلة 2 (تحت الضغط (IPC/CH، المرحلة 3 (أزمة (IPC/CH ، المرحلة 4 ) طوارئ (IPC/CH والمرحلة 5) كارثة/مجاعة (IPC/CH .

وبشكل أكثر تحديداً، تم تصنيف 705,200 فرد مقسّمين على 5 دول ضمن المرحلة 5 من (IPC/CH)، في حين صنّف نحو 36.4 مليون شخص في 39 دولة على أنهم المرحلة 4 من (IPC/CH) واعتبار نحو 165.5 مليون فرد في 41 دولة في المرحلة 3. كما قسّم التقرير دوافع انعدام الأمن الغذائي إلى ثلاث فئات رئيسية هي: النزاع/انعدام الأمن (الذي أثّر على 134.5 مليون نسمة في 20 دولة/إقليماً)، و/الصدمات الاقتصادية (التي أثّرت على 75.2 مليون نسمة في 21 بلد/إقليماً)، والظواهر الجوية المتطرفة (التي أثّرت على 71.9 مليون نسمة في 18 دولة/إقليماً).

ووفقاً للتقرير، تم تصنيف 44 من أصل 59 دولة/إقليماً ضمن الدول/الأقاليم التي تعاني من أزمات غذائية فادحة، أي أكثر من ضعف الرقم المسجل في النسخة الأولى من التقرير في العام 2017. أما بالنسبة الى الدول التي لديها أعلى نسبة من الأشخاص المصنّفين ضمن (IPC/CH) المرحلة 3 أو أعلى، فقد جاءت فلسطين في المركز الأول بنسبة 100 في المئة، تليها جنوب السودان (63 في المئة)، اليمن (56 في المئة)، سوريا (55 في المئة) وهايتي (49 في المئة).

الجوع يُهدد لبنان

على المستوى المحلي، أظهر تقرير الأزمات الغذائية أن 42 في المئة من السكان في لبنان الذين تم شملهم في الدراسة (نحو 2.3 مليون فرد من أصل 5.4 ملايين)، يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد بين كانون الثاني/ يناير ونيسان/أبريل 2023، ما يُمثل زيادة مقلقة مقارنة بـ 37 في المئة من إجمالي السكّان المشمولين في الدراسة (نحو 1.98 مليون فرد من 3.87 ملايين) في الفترة من أيلول/سبتمبر إلى كانون الأول/ديسمبر في العام 2022. وتجدر الإشارة إلى أنّ الـ 5.4 ملايين شخص المشمولين في الدراسة يمثلون 92 في المئة من إجمالي سكان البلاد (5.8 ملايين نسمة) في العام 2023. ووفقاً للتقرير، تم تصنيف نحو 35 في المئة من السكان المتأثرين من أزمة الغذاء في العام 2023 ضمن المرحلة 3 من IPC/CH) (، و7 في المئة ضمن المرحلة 4 من (IPC / CH).

تحسّن رغم الصدمات

التقرير سلّط الضوء على أنّ الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعاني منها لبنان منذ أربع سنوات قد ألقت بظلالها القاتمة على الأمن الغذائي لمختلف شرائح الفئات السكانية، على الرغم من بعض التوقعات بحدوث تحسن طفيف خلال الفترة الممتدّة بين شهري نيسان/أبريل وأيلول/سبتمبر 2024. إذ من المتوقّع أن تتراجع نسبة الأشخاص المصنّفين ضمن فئة الـIPC/CH المرحلة 3 أو أعلى إلى 20 في المئة (نحو 1.1 مليون شخص) وأولئك المصنّفين ضمن فئة الـIPC/CH المرحلة 4 إلى 1 في المئة.

على صعيد الصدمات الاقتصادية، أبرز التقرير كيف أدى انهيار قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي في أوائل العام 2023 إلى تفاقم معدلات التضخم، وذلك لاعتماد البلاد بصورة كبيرة على الواردات. كما ذكر أن التضخم السنوي للمواد الغذائية قد وصل إلى ذروته عند 352 في المئة في آذار/مارس 2023، قبل أن ينخفض إلى 212 في المئة في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 نتيجة تدخلات البنك المركزي التي ساهمت في استقرار سعر صرف الليرة مقابل الدولار.

كما تمّ الكشف عن تحسن ملحوظ في معدلات التوظيف بين المقيمين اللبنانيين، بحيث ارتفع من 44 في المئة في أيلول/سبتمبر 2022 إلى 55 في المئة في أيار/مايو 2023، قبل أن يشهد انخفاضاً طفيفاً إلى 53 في المئة في تشرين الأول/أكتوبر 2023. وعلى صعيد آخر، أشار التقرير إلى تصاعد حدة التوترات على طول الحدود الجنوبية للبنان، وذلك على خلفية الصراع الدائر في فلسطين منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. وبحلول منتصف كانون الثاني/يناير 2024، أدت الغارات الاسرائيلية على جنوب لبنان إلى نزوح ما يقارب 83 ألف شخص، ومقتل 300 ألف من حيوانات المزارع، وإحراق 460 هكتاراً من الأراضي الزراعية.

القضاء على الجوع

مع اتساع رقعة الفقر وتفاقم الصراعات وتغيرات المناخ المُرعبة، بات انعدام الأمن الغذائي هاجساً عالمياً يُهدد استقرار الدول ومستقبل البشرية. ويُعزى الارتفاع المقلق في عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها تفاقم الأزمات الغذائية في العديد من الدول، وتدهور الأمن الغذائي بصورة حادة، خصوصاً في قطاع غزة والسودان. وعلى مدار 4 سنوات متتالية، ظلت نسبة الأشخاص الذين يواجهون نقصاً حاداً في الأمن الغذائي مرتفعة من دون أي بوادر تحسن، بل ازدادت سوءاً لتصل إلى ما يقرب من 22 في المئة من الذين شملتهم الدراسة التقويمية، وهو رقم قياسي يُمثل أكثر من ضعف مستويات ما قبل جائحة “COVID-19”.

وفي ضوء هذه الظروف المقلقة، دعت الشبكة العالمية لمكافحة الأزمات الغذائية إلى اتباع نهجٍ تحويليٍّ عاجل يتجاوز مجرد الاستجابة الطارئة ليشمل دمجًا استراتيجيًا للجهود المبذولة على صعيد السلام والوقاية والعمل الإنمائي. ويهدف هذا النهج إلى كسر حلقة الجوع الحاد التي لا تزال عند مستوياتٍ غير مقبولة، وضمان حصول جميع الناس على طعام كافٍ ومغذي بشكلٍ مستدام.

شارك المقال