مستقبل التحويلات في الشرق الأوسط: صراع بين الفرص والتحديات

سوليكا علاء الدين

طالت العواصف الاقتصادية والجيو-سياسية حركة الأموال عبر العالم، حيث أفاد تقرير “موجز الهجرة والتنمية” الصادر عن البنك الدولي بأن تدفقات التحويلات الرسمية إلى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل قد تراجعت في العام 2023، وذلك بعد عامين من النمو المطرد، اذ بلغت قيمة هذه التحويلات 656 مليار دولار.

نمو بطيء ومتفاوت

أظهر معدل النمو المنخفض للتحويلات البالغ 0.7 في المئة فقط، تباينات كبيرة في معدلات النمو بين مختلف المناطق. ومع ذلك، حافظت التحويلات على مكانتها كمصدر رئيسي للتمويل الخارجي للدول النامية في العام 2023، بحيث لعبت دوراً مهماً في دعم حسابات المعاملات الجارية للعديد من الدول التي تعاني من شح الغذاء وعبء الديون. بل وتجاوزت في العام 2023 حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة والمساعدات الإنمائية الرسمية.

ومن المرجح أن تشهد التحويلات إلى الدول الفقيرة والدول المتخلفة نمواً أسرع يصل إلى 2.3 في المئة في العام 2024، على الرغم من أن هذا النمو لن يكون متساوياً بين مختلف المناطق. وتشمل المخاطر المحتملة التي قد تؤثر على هذه التوقعات تباطؤاً أكبر من المتوقع في معدلات النمو الاقتصادي للدول الغنية التي تستقبل المهاجرين، بالاضافة إلى تقلبات أسعار النفط وأسعار العملات.

وبحسب التقرير، لا يزال إرسال التحويلات مكلفاً للغاية، بحيث بلغ متوسط التكلفة العالمية لإرسال 200 دولار 6.4 في المئة من قيمة التحويل في الربع الأخير من العام 2023. ويمثل هذا الرقم ارتفاعاً طفيفاً عن 6.2 في المئة المسجل قبل عام، ويظل أعلى بكثير من الهدف المنصوص عليه في أهداف التنمية المستدامة البالغ 3 في المئة. وأثبتت التحويلات الرقمية فعاليتها في خفض تكاليف التحويلات، بحيث انخفضت بنسبة 5 في المئة مقارنة بنسبة 7 في المئة للقنوات غير الرقمية، ما يدل على دور التطور التكنولوجي في تخفيف الأعباء المالية على المهاجرين.

اتجاهات التحويلات

احتلت الهند المرتبة الأولى بين الدول الخمس الأكثر تلقياً للتحويلات المالية في العام 2023، بحيث وصلت قيمة التحويلات الواردة إليها إلى 120 مليار دولار. وجاءت المكسيك في المرتبة الثانية بـ 66 مليار دولار، والصين في المرتبة الثالثة بـ 50 مليار دولار، والفلبين في المرتبة الرابعة بـ 39 مليار دولار، وباكستان في المرتبة الخامسة بـ 27 مليار دولار. أما في الدول ذات الاقتصادات الصغيرة، فتُشكل التحويلات المالية نسبة مئوية كبيرة من الناتج المحلي الاجمالي، ما يُبرز دورها الحيوي في تمويل الحساب الجاري وسدّ العجز المالي. وقد تصدّرت تونغا المرتبة الأولى من حيث تلقي التحويلات (41 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي)، وتبعتها كل من طاجيكستان (39 في المئة)، ولبنان (31 في المئة)، وساموا (28 في المئة) ونيكاراغوا (27 في المئة).

على صعيد الاتجاهات الاقليمية، ارتفعت التحويلات إلى منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ، باستثناء الصين، بنسبة 4.8 في المئة لتصل إلى 85 مليار دولار في العام 2023. ومن المتوقع أن تستمر تدفقات التحويلات إلى المنطقة في النمو بنسبة 3.2 في المئة في العام 2024، باستثناء الصين. وبلغ متوسط تكلفة تحويل 200 دولار إلى المنطقة 5.8 في المئة في أواخر العام 2023، بينما وصلت إلى 17.1 في المئة في قنوات التحويل الأعلى تكلفة.

وتراجعت التحويلات في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى بنسبة 10.3 في المئة لتصل إلى 71 مليار دولار في العام 2023. ومن المرجح أن تستمر تدفقات التحويلات إلى المنطقة في الانخفاض بنسبة 1.9 في المئة في العام 2024. إذ بلغ متوسط تكلفة تحويل 200 دولار إلى المنطقة (باستثناء روسيا) 6.7 في المئة، مقارنة بـ 6.4 في المئة قبل عام. بدورها، شهدت منطقة أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي تباطؤاً في نمو التحويلات، بحيث سجلت 7.7 في المئة في العام 2023 بقيمة 156 مليار دولار. ويُتوقع أن تشهد المنطقة نمواً في تدفقات التحويلات بنسبة 2.7 في المئة في العام 2024. ووصلت تكلفة تحويل 200 دولار إلى المنطقة 5.9 في المئة، وهو الرقم نفسه الذي كان عليه قبل عام.

أما في منطقة جنوب آسيا، فزادت التحويلات بنسبة 5.2 في المئة في العام 2023، لتصل إلى 186 مليار دولار، مقارنة بالنمو المسجل في العام 2022 البالغ 12 في المئة. ومن المرجح أن تستمر تدفقات التحويلات في الارتفاع بنسبة 4.2 في المئة في العام 2024. وبلغ متوسط تكلفة تحويل 200 دولار إلى المنطقة 5.8 في المئة، مقابل 4.2 في المئة قبل عام. ووصلت تدفقات التحويلات إلى منطقة إفريقيا جنوب الصحراء إلى 54 مليار دولار في العام 2023، مسجلة انخفاضاً طفيفاً بنسبة 0.3 في المئة. ومن المتوقع أن تشهد تدفقات التحويلات نمواً بنسبة 1.5 في المئة في العام 2024. وبلغ متوسط تكلفة تحويل 200 دولار إلى بلدان المنطقة 7.9 في المئة، من دون تغيير يذكر عن العام السابق.

لمحة عن الشرق الأوسط

تراجعت التحويلات المالية إلى دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بصورة ملحوظة في العام 2023، بحيث انخفضت بنسبة 15 في المئة لتصل إلى 55 مليار دولار، ما أدى إلى تفاقم التراجع الذي حدث في العام 2022 بحيث انخفضت بنسبة 3.2 في المئة. ويعود هذا الانخفاض الحاد في العام 2023 بصورة أساسية إلى التقلص الكبير في التدفقات إلى مصر، أكبر مستفيدة من التحويلات المالية في المنطقة. ومن المرجح أن يكون جزءاً من هذه التحويلات المالية قد اتجه إلى مسارات غير رسمية، مدفوعاً باتساع الفجوة بين أسعار الصرف في السوقين الرسمي والموازي. فقد واجهت التحويلات إلى مصر تراجعاً ملحوظاً بنسبة 31 في المئة في العام 2023، لتستقر عند 19.5 مليار دولار.

وساهمت عوامل أخرى أيضاً في الانخفاض الحاصل في التحويلات المالية إلى المنطقة في العام 2023. فقد شهدت التحويلات المالية الخارجية من المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة تراجعاً، ما يعكس تصحيحاً جزئياً للارتفاعات غير المعتادة التي حدثت خلال جائحة COVID-19. كما تراجعت التدفقات إلى الأردن وتونس، وذلك بالتزامن مع ضعف النمو الاقتصادي في منطقة اليورو، والتي تُشكل المصدر الرئيسي للتحويلات المالية لهذه الدول. بالاضافة إلى ذلك، لا يزال استمرار الصراع في الشرق الأوسط في يؤثر سلباً على تدفقات التحويلات المالية إلى الضفة الغربية وغزة.

على نقيض ذلك، شهدت التحويلات المالية إلى الجزائر ولبنان تحسناً ملحوظاً، مدفوعة بارتفاع التدفقات القادمة من فرنسا والولايات المتحدة على التوالي. لم يتجاوز متوسط التحويلات المالية إلى الجزائر 1.8 مليار دولار سنوياً خلال العقد الماضي، لكن وجود سوق موازية لسعر الصرف مع علاوة بنسبة 30-40 في المئة يشير إلى إمكان توجيه جزء كبير من التحويلات عبر قنوات غير رسمية، غالباً في شكل نقود يحملها المسافرون.

ويُعد كل من لبنان والضفة الغربية وغزة والأردن من بين الدول في المنطقة التي تلعب فيها التحويلات المالية دوراً مهماً في اقتصادها، بحيث تُشكل نسبة كبيرة من الناتج المحلي الاجمالي. ففي لبنان، على سبيل المثال، تُمثل إيرادات التحويلات المالية ما يعادل 27.5 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، وتتجاوز 80 في المئة من إجمالي التدفقات القادمة من الخارج. ويُظهر ذلك بوضوح الدور الكبير الذي يلعبه المغتربون اللبنانيون في دعم اقتصاد البلاد.

أما في الضفة الغربية وغزة، فقد واجهت التحويلات المالية انخفاضاً كبيراً خلال العام 2023، ما رفع نسبة التحويلات المالية إلى الناتج المحلي الاجمالي إلى نحو 19 في المئة. وانخفضت التحويلات المالية إلى الأردن بصورة متواضعة إلى 4.5 مليارات دولار في العام 2023، وهو ما يمثل 9 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي للبلاد.

كما حقق المغرب هو الآخر إنجازاً مهماً، بحيث وصلت تحويلات المغتربين إلى مستوى قياسي جديد، ما يؤكد تأثير زلزال أيلول 2023 على هذه التحويلات. وظلت التحويلات المالية تمثل المصدر الأكثر استقراراً لتدفقات الموارد الخارجية في المنطقة، متجاوزةً مجموع الاستثمار الأجنبي المباشر والمساعدات الإنمائية الرسمية منذ العام 2010. ففي العام 2023، فاقت تدفقات التحويلات مجموع هذه التدفقات إلى المنطقة بأكثر من الضعف، بينما شهدت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر انخفاضاً حاداً.

انقسام وانتعاش

تُواجه آفاق التحويلات المالية إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحديات كبيرة بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي تُعاني منها بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة، مثل مصر والأردن ولبنان والمغرب وتونس. وتُشير التوقعات الاقليمية المُضطربة، وسط استمرار الصراعات في المنطقة، إلى احتمالية ارتفاع العجز المالي وعجز الحساب الجاري، ما قد يُهدد الاستقرار السياسي في بعض الدول. ويُعدّ لبنان مثالاً واضحاً على ذلك، بحيث أدى العجز المزدوج إلى زيادة الضغوط على العملة الوطنية واحتياطيات النقد الأجنبي. وعلى عكس ذلك، من المتوقع أن تستفيد الدول المصدرة للنفط في المنطقة، مثل العراق والجزائر، من ارتفاع أسعار الهيدروكربونات، ما قد ينعكس إيجاباً على تدفقات التحويلات المالية.

وعموماً، قد تنتعش التدفقات بنسبة 4.3 في المئة في العام 2024 مع احتمال زيادة أخرى بنسبة 5.5 في المئة في العام 2025. وارتفع متوسط تكلفة تحويل 200 دولار إلى المنطقة إلى 5.9 في المئة، بعد أن كان 6.7 في المئة قبل عام.

شارك المقال