أصدرت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد” تحديثاً إيجابياً حول اتجاهات التجارة العالمية، مشيرةً إلى انتعاش ملحوظ في النشاط التجاري خلال الفترة الأخيرة. وبحسب البيانات، فقد شهد الربع الأول من العام 2024 ارتفاعاً في تبادل السلع بنسبة 1 في المئة على أساس ربع سنوي، بينما نمت تجارة الخدمات بنسبة 1.5 في المئة خلال الفترة نفسها.
ويُرجح، وفقاً لتقرير المنظمة، أن تُساهم هذه الزيادة في رفع حجم تبادل السلع عالمياً بواقع 250 مليار دولار أميركي وتجارة الخدمات بواقع 100 مليار دولار أميركي خلال النصف الأول من العام 2024، مقارنة بالنصف الثاني من العام 2023. وفي حال استمرار هذا الاتجاه الايجابي بقوة خلال الربع الثاني من العام 2024، من المتوقع نمو التجارة العالمية بنسبة 2 في المئة تقريباً في الأشهر الستة الأولى من العام الحالي، لتصل إلى 32 تريليون دولار أميركي في نهاية العام. ومع ذلك، من غير المرجح أن يتجاوز هذا الرقم المستوى القياسي المسجل في العام 2022.
انتعاش ومخاوف
إذاً، شهد الربع الأول من العام 2024 استمراراً لتعافي التجارة العالمية بوتيرة بطيئة وثابتة، مدفوعاً بالنشاط التجاري القوي للولايات المتحدة والدول النامية، وخصوصاً أداء الصادرات المميز لأكبر الاقتصادات النامية في آسيا. وقد أظهرت كل من تجارة السلع والخدمات نمواً إيجابياً على أساس ربع سنوي في الربع الأول من العام 2024، مع توقعات بزيادات أخرى في الربع الثاني. ويشير هذا إلى عودة نمو تجارة السلع العالمية في العام 2024، بينما ينذر أيضاً بنهاية الاتجاه التصاعدي القوي لتجارة الخدمات.
ووفقاً لـ”الأونكتاد”، لا تزال آفاق التجارة العالمية لعام 2024 عرضة لمخاطر التطورات السلبية، إذ من المتوقع أن يؤثر العديد من العوامل على مسار التجارة العالمية في العام 2024، أبرزها:
- النمو الاقتصادي الايجابي، مع وجود تحسن ملحوظ بحيث تستقر توقعات النمو العالمي للناتج المحلي الاجمالي عند 3 في المئة لعام 2024 وسط تفاؤل حذر على المدى القصير. ومع ذلك، تؤثر الاختلافات الكبيرة في التوقعات الاقتصادية بين البلدان والمناطق على أنماط التجارة.
- ازدياد الطلب على منتجات الطاقة الخضراء مثل السيارات الكهربائية والألواح الشمسية والبطاريات وأجهزة الكمبيوتر ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي، إذ من المرجح أن تستمر تجارة هذه المنتجات في النمو بوتيرة أسرع بكثير من المتوسط، على الرغم من إمكان تأثير السياسات الحكومية على بعض هذه الاتجاهات.
- الاتجاه المتزايد الى تعزيز الدعم وفرض قيود على التبادل التجاري، مدفوعاً بالتركيز على القضايا الداخلية والضرورة الملحة لتلبية الالتزامات المتعلقة بالمناخ. مع الاشارة إلى أن هذه التطورات، بما في ذلك استخدام القيود التجارية والسياسات الصناعية الحمائية، ستلقي بظلالها سلباً على نمو التجارة الدولية، خصوصاً في بعض القطاعات الاستراتيجية.
- الطلب القوي على شحن الحاويات، كما يتضح من الارتفاع الكبير في مؤشر أسعار شحن الحاويات في شنغهاي. بينما يستقر الطلب العالمي على المواد الخام استقراراً، مع ثبات مؤشر بورصة البلطيق للبضائع الجافة (BDI).
- تأثر التجارة العالمية بصورة كبيرة بقدرة سلاسل التوريد على التكيف مع التغيرات في السياسات التجارية والاضطرابات الجيوسياسية، بحيث تمنح اقتصادات شرق آسيا وأميركا اللاتينية فرصاً لتعزيز اندماجها في سلاسل التوريد التي تُواجه تحديات جيوسياسية.
- احتمال تخفيض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة خلال العام 2024، على الرغم من استمرار التضخم لفترة أطول من التوقعات. ومن شأن هذه الخطوة إضعاف قيمة الدولار الأميركي، ما قد يُحفز التجارة الدولية من خلال زيادة الأسعار والأحجام، وذلك في ظل استمرار هيمنة الدولار على المعاملات التجارية العالمية.
اتجاهات متنوعة
وفي ما يتعلق باتجاهات التجارة في الاقتصادات الكبرى، أظهرت أرقام “الأونكتاد” تراجعاً ملحوظاً في تجارة السلع بين الاقتصادات الكبرى خلال العام 2023، وقد استمر هذا الاتجاه في الربع الأول من العام 2024، مع اختلافات متفاوتة بين الدول. ففي حين شهدت كل من البرازيل والاتحاد الروسي والولايات المتحدة زيادة في وارداتها، أظهرت كل من الصين والهند أداءً تصديرياً قوياً للغاية خلال الفترة نفسها. كما ارتفعت صادرات الاتحاد الروسي والولايات المتحدة، بينما واصلت التجارة تراجعها في كل من اليابان وجنوب إفريقيا.
كما أظهرت الدول النامية أداءً قوياً في الربع الأول من العام 2024، بحيث ارتفعت الواردات والصادرات بنسبة 2 في المئة. في المقابل، سجلت الدول المتقدمة نمواً في الصادرات فقط بنسبة 1 في المئة، بينما ظلت وارداتها ثابتة على أساس ربع سنوي. وبصورة إيجابية، نمت التجارة بين دول الجنوب بنسبة 2 في المئة على أساس ربع سنوي. أما على أساس سنوي، فيعود انخفاض التجارة العالمية بصورة أساسية إلى تراجع واردات الدول المتقدمة وانخفاض صادرات الدول النامية، حيث انخفض كلا الاتجاهين بنسبة 5 في المئة من الربع الأول من الالعام 2023 إلى الربع الأول من عام 2024. وتجدر الاشارة إلى أن التجارة بين الدول النامية شهدت انخفاضاً مماثلاً خلال الفترة نفسها.
على صعيد المناطق، تنوعت اتجاهات التجارة خلال الربع الأول من العام 2024، بحيث شهدت غالبية المناطق نمواً تجارياً إيجابياً. ومع ذلك، برزت استثناءات ملحوظة، بحيث تراجعت الصادرات من منطقتي إفريقيا والمحيط الهادئ بصورة ملموسة، بينما انخفضت الصادرات في منطقة جنوب وغرب آسيا بدرجة أقل. بالاضافة إلى ذلك، شهدت جميع هذه المناطق انخفاضاً كبيراً في التجارة البينية الاقليمية. في المقابل، كان نمو التجارة أقوى في مناطق شرق آسيا والأميركيتين. وعلى أساس سنوي، لا يزال نمو التجارة العالمي سلبياً في جميع المناطق، باستثناء منطقة الاتحاد الروسي وآسيا الوسطى، التي شهدت تقلبات حادة في مسارات التجارة.
تحسّن وتراجع
وبالنظر إلى مختلف الأنشطة الاقتصادية، أظهرت مختلف القطاعات أداءً إيجابياً خلال الربع الأول من العام 2024، بحيث سجل معظمها تحسناً على أساس ربع سنوي. وشكلت معدات النقل والاتصالات استثناءً ملحوظاً، بحيث شهدت انخفاضاً في التجارة. على نقيض ذلك، كانت الزيادات الفصلية أكثر وضوحاً في قطاعات المواد الكيميائية والأدوية والمنسوجات والمعادن.
وعلى أساس سنوي، لا تزال التجارة العالمية تعاني من الركود في العديد من القطاعات، باستثناء الآلات والأدوات الدقيقة والأدوية ومعدات النقل، ويرجع ذلك بصورة كبيرة إلى الارتفاع القوي في تجارة السيارات الكهربائية، والتي استمرت في النمو حتى الربع الأول من العام 2024، مسجلةً زيادة بنسبة 25 في المئة. وظلت مستويات التجارة خلال الأرباع الأربعة الأخيرة منخفضة بصورة كبيرة بالنسبة الى قطاعي الطاقة والملابس. ولم يختلف الوضع في قطاعي الاتصالات والمعدات المكتبية، حيث استمرت التجارة في التراجع خلال الربع الأول من العام 2024.
خريطة الاعتماد التجاري
منذ أواخر العام 2022، يشهد العالم اتجاهاً ملحوظاً نحو “القرب السياسي التجاري”. ويشير هذا الاتجاه- خلال النصف الثاني من العام 2023- إلى أن أنماط التجارة الثنائية قد اتجهت نحو تفضيل التجارة بين الدول ذات المواقف الجيوسياسية المتشابهة (أي دعم الدول الصديقة). في المقابل، لوحظ تركيز متزايد على العلاقات التجارية الرئيسية في التجارة العالمية. ومع ذلك، يبدو أن هذا الاتجاه الأخير قد بدأ في التراجع.
ولا تزال العوامل الجيو-اقتصادية تلعب دوراً مهماً في تشكيل توجهات التجارة الثنائية الرئيسية. ففي حين تُشكل هذه العوامل التجارة بين الاقتصادات الكبرى، إلا أنها تؤثر أيضاً على ديناميكيتها التجارية مع باقي الشركاء التجاريين. ومن بين العوامل المؤثرة الأخرى على التجارة الثنائية إعادة هيكلة سلاسل القيمة بصورة مستمرة.


