وسط استمرار الحرب الاسرائيلية على غزة وتفاقم وتيرتها في لبنان، تلفّ الضبابية مستقبل أسعار النفط، لا سيما مع ارتفاع منسوب المخاوف من امكان توسع رقعة الصراع في الشرق الأوسط لتشمل أطرافاً ودولاً إقليمية مجاورة، ما يزيد من حدة التقلبات في السوق وينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي الذي يسعى جاهداً الى التعافي من أزماته المتلاحقة.
سيناريو النفط والحرب
أسعار النفط شهدت منذ 23 أيلول الماضي تقلبات غير مستقرة، لتعاود الارتفاع في بداية الأسبوع بدعم من حزمة الاجراءات الاقتصادية التي أطلقتها الصين لإنعاش اقتصادها، بالاضافة إلى تصاعد المخاوف بشأن اضطراب الإمدادات مع احتدام التوتر في منطقة الشرق الأوسط المنتجة للنفط، وترقّب السوق للرد الإيراني المحتمل عقب تكثيف إسرائيل هجماتها ضد لبنان وضربها ميناء الحديدة في اليمن. يُشار إلى أنّ منطقة الشرق الأوسط تتمتّع بمكانة استراتيجية في صناعة النفط العالمية، بحيث يبلغ الاحتياطي لديها نحو 871 مليار برميل أي ما يشكل نحو 55 في المئة من احتياطيات النفط العالمية. كما تنتج يومياً ما يقارب الـ 24 مليون برميل وفقاً لبيانات منظمة “أوبك”، ما يمنحها هيمنة قوية على أسعار النفط العالمية وتوجيه السياسات العالمية.
في تحليلها الشامل للتطورات الراهنة، توقعت وكالة “بلومبرغ” حدوث سيناريوهين مختلفين في المنطقة:
السيناريو الأول يتمثل في اندلاع حرب متوسطة النطاق بين اسرائيل وحلفاء إيران، وهو سيناريو سيؤدي إلى حدوث اختلال في إمدادات النفط، وبالتالي ارتفاع أسعار النفط إلى عتبة الـ 100 دولار للبرميل، مع تكاليف اقتصادية عالمية كبيرة قد تصل إلى 300 مليار دولار.
أما السيناريو الثاني، فيتوقع اندلاع حرب شاملة بين اسرائيل وحلفائها من جهة وإيران وحلفائها من جهة أخرى. وقد يتسبب هذا السيناريو الكارثي في إغلاق ممرات مائية حيوية مثل مضيق هرمز، ما قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط لتصل إلى 150 دولاراً للبرميل، وتكبّد تكاليف اقتصادية عالمية فادحة يتم تقديرها بتريليون دولار. لكن هذا السيناريو لا يزال بعيد المنال في ظل التصريحات الايرانية الأخيرة، والتي عبّرت عن رغبتها في فتح باب التفاوض حول برنامجها النووي.
النفط يترقب
على الرغم من تصاعد حدة التوترات في الشرق الأوسط، إلا أنها لم تصل بعد إلى عتبة المواجهة الشاملة التي قد تُعرّض إمدادات النفط في المنطقة إلى خطر حقيقي، لا سيما مع استمرار وفرة الانتاج العالمي وترقب المستثمرين لتوقعات زيادة العرض بالتزامن مع حزمة الحوافز الضخمة التي اتخذتها الصين أكبر مستورد للخام. وفي هذا السياق، أظهرت مذكرة صادرة عن “آر بي سي كابيتال ماركتس” أن بعض المشاركين في سوق النفط قد يتجاهل التصعيد الحالي، على اعتبار أن الإمدادات لم تتأثر بصورة كبيرة حتى الآن وإيران لم تُظهر الرغبة بعد في الدخول مباشرة في هذا الصراع. ومع ذلك، فإن التطورات المستقبلية في المنطقة تبقى غامضة ومن الصعب معرفة إلى أين يتجه هذا الصراع الاقليمي، وما إذا كانت هذه بداية النهاية، أو نهاية البداية.
كما أشارت التوقعات إلى أنّ أسواق النفط- التي باتت مُحصّنة ضد توترات الشرق الأوسط- لا تتوقع نشوب حرب واسعة النطاق بين إيران وإسرائيل من شأنها أن تؤثر سلباً على العرض، وعليه فإن استمرار الهدوء النسبي في المنطقة، خصوصاً مع غياب أي تصعيد عسكري إيراني، قد يؤدي إلى تخفيف العلاوة الجيوسياسية على أسعار النفط خلال الفترة المقبلة. ولكن يبقى الخطر الداهم الذي يهدد استقرار الأسواق هو إغلاق مضيق هرمز.
لماذا مضيق هرمز؟
يُعد مضيق هرمز، الواقع بين إيران وسلطنة عمان، الممر المائي المهيمن على تجارة النفط العالمية، حيث يربط بين أهم منتجي النفط في العالم والأسواق الاستهلاكية الرئيسية، ويعبر منه نحو خُمس إنتاج النفط العالمي يومياً، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية.
يمثل المضيق شرياناً استراتيجياً واقتصادياً وتجارياً ذا أهمية بالغة لدول مجلس التعاون الخليجي ودول الشرق الأوسط، إذ تصدّر دول الخليج نحو 90 في المئة من نفطها عبر ناقلات نفط تمر عبره، ما يجعله لاعباً رئيسياً في توفير أمن الطاقة العالمي وعاملاً حيوياً في استقرار الأسواق العالمية. كما يشهد المضيق حركة مرورية مكثفة لناقلات النفط، حيث يعبر يومياً ما بين 20 و30 ناقلة بحمولات ضخمة تصل إلى 17 مليون طن، أي بنسبة تتراوح ما بين 20 إلى 30 في المئة من تجارة النفط العالمية، ما يجعله أحد أكثر الممرات المائية ازدحاماً في العالم.
ولا يقتصر دور المضيق على كونه نقطة عبور حيوية للنفط الخام وحسب، بل يشكل أيضاً ممراً مهماً لصادرات الغاز الطبيعي المسال، بحيث يمر عبره سنوياً 80 مليون طن متري، أي ما يزيد عن 20 في المئة من إمدادات العالم. وبفضل هذه العوامل، بات مضيق هرمز الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي، بحيث يؤثر أي اضطراب في حركة الملاحة عبره بصورة مباشرة على أسعار الطاقة العالمية.
وارتبط اسم مضيق هرمز باكتشاف النفط في المنطقة، وقد تعززت أهميته بصورة بالغة مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، مع اتجاه الدول الصناعية الكبرى إلى منطقة الخليج لتأمين احتياجاتها من نفط الخليج العربي. ومع تزايد الطلب العالمي على النفط بوتيرة متسارعة، يبرز الدور المحوري للمضيق في تأمين إمدادات الطاقة المستدامة للعالم، ما يجعله هدفاً استراتيجياً لأي قوة تسعى إلى زعزعة الاستقرار في الأسواق العالمية.
بين الاستقرار والاضطراب
على مدار عام كامل، ارتبطت أسعار النفط العالمية ارتباطاً وثيقاً بالتوترات الأمنية والجيوسياسية في الشرق الأوسط، حيث شهدت تقلبات حادة منذ اندلاع الحرب الاسرائيلية على غزة. وعلى الرغم من هذه التقلبات، حافظت الأسعار على توازن نسبي. غير أن هذا الاستقرار الظاهري يبقى رهناً باستمرار التصعيد في المنطقة، حيث يبقى تحديد مسار واضح لأسعار النفط على المدى القصير مهمّة صعبةً للغاية، نظراً الى أنّ أي تصعيد خارج عن السيطرة قد يؤدي إلى فتح أسواق النفط على سيناريوهات خطيرة تهدد أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.


