لا يزال الاقتصاد الاسرائيلي يئن تحت وطأة الضغوط الناتجة عن تكاليف الحرب والإنفاق العسكري المتزايد، بحيث تتوالى التقارير التحذيرية التي تدل على الاقتراب من هاوية أزمة اقتصادية عميقة. وتُشير التوقعات إلى أن هذه الأزمة ستؤدي حتماً إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية وخيمة، ما سيؤجج مستويات التضخم ويعمّق العجز المالي، وبالتالي سيساهم في خلق المزيد من عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
أزمة إنفاق عسكري
وفقاً لبيانات المكتب المركزي للإحصاء، شهد معدل التضخم السنوي في إسرائيل ارتفاعاً ملحوظاً، بحيث وصل إلى 3.6 في المئة في آب/أغسطس الماضي، مقارنة بـ3.2 في المئة في تموز/يوليو. ويُعد هذا أعلى مستوى له منذ تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي. وكان البنك المركزي الاسرائيلي قد عبّر عن قلقه حيال تأثير حرب غزة على معدل التضخم. ويرى الخبراء أن الضغوط التضخمية المتزايدة، الناجمة عن ارتفاع الأجور وزيادة الإنفاق الحكومي على العمليات العسكرية، تستدعي الحفاظ على سياسة نقدية متشددة والإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة حتى العام 2025 على الأقل.
وأعلنت وزارة المالية الاسرائيلية أنّ الإنفاق على الحرب التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بلغ نحو 97 مليار شيكل، أي ما يعادل 26 مليار دولار، مُشيرة إلى توقعاتها بأن يستمر العجز في الارتفاع خلال الربع الثالث. ووفقاً لبيانات الوزارة، سجلت الميزانية عجزاً قدره 12.1 مليار شيكل (ما يعادل 3.24 مليارات دولار) في شهر آب/أغسطس الماضي، نتيجة للزيادة المستمرة في نفقات الحرب على قطاع غزة. وأوضحت الوزارة أن نسبة العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي ارتفعت خلال الاثني عشر شهراً حتى الشهر عينه إلى 8.3 في المئة، مقارنة بـ 8 في المئة في تموز/يوليو، وهو ما يتجاوز الهدف المحدد البالغ 6.6 في المئة للعام 2024. ونتيجة للإنفاق العسكري والخسائر المباشرة التي تعرض لها الاقتصاد الاسرائيلي، ارتفعت أيضاً تكاليف خدمة الدين العام، بحيث بلغت نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي 62 في المئة في العام الحالي، مقارنة بـ 59 في المئة في العام السابق.
ومن المتوقع أن يشهد الإنفاق العسكري زيادة تتراوح بين 10 إلى 20 مليار شيكل خلال العام الحالي. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الحكومة انخفاضاً في إيرادات الضرائب، بالاضافة إلى القلق من احتمال عدم تحويل نحو 18 مليار شيكل من المساعدات العسكرية الأميركية خلال هذا العام، وترحيلها إلى العام المقبل، وفقاً لصحيفة “ذا ماركر” الاسرائيلية. وكانت وكالة “أسوشيتد برس” أفادت في الذكرى السنوية الأولى لبدء الحرب، بإنفاق الولايات المتحدة الأميركية مبلغاً قياسياً قدره 17.9 مليار دولار على الأقل من المساعدات العسكرية لإسرائيل منذ اندلاع الحرب. وتراوحت النفقات بين 4 مليارات دولار لإعادة تزويد نظام الدفاع الصاروخي الاسرائيلي “القبة الحديدية” و”مقلاع داوود”، وصولاً إلى تمويل شراء البنادق ووقود الطائرات. ومع ذلك، يُعتبر هذا الرقم جزئياً فقط، نظراً الى صعوبة الحصول على تفاصيل دقيقة حول قيمة المساعدات المقدّمة.
دراما الميزانية
صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية أشارت إلى أن الميزانية الاسرائيلية تتحول إلى “ميلودراما” نتيجة الضغط المتزايد الذي يمارسه الإنفاق العسكري على الاقتصاد. وفي ظل التداعيات والعواقب الاقتصادية الناجمة عن الحرب المتواصلة، باتت الميزانية غير كافية لتغطية التكاليف المتزايدة، بحيث اضطرت الحكومة الاسرائيلية إلى توسيع الميزانية المعتمدة سابقاً للسنة المالية 2024، لتبلغ 727.4 مليار شيكل، ما يعادل حوالي 192 مليار دولار. وعليه، أقرّ البرلمان الاسرائيلي الزيادة الجديدة بقيمة 3.4 مليارات شيكل، أي ما يعادل 924 مليون دولار، بهدف دعم تمويل إجلاء المدنيين وتغطية نفقات جنود الاحتياط حتى نهاية العام الحالي. وأوضحت وزارة المالية الاسرائيلية أن 525 مليون شيكل، أي ما يعادل 143.5 مليون دولار، من إجمالي هذه الميزانية قد عادت إلى خزائن الدولة بعد إجراء تخفيضات سابقة في الإنفاق. كما تمّ تخصيص 200 مليون شيكل، أي نحو 54.66 مليون دولار، لتعزيز تمويل قوات الاحتياط في الجيش.
وبحلول نهاية العام 2024، ارتفعت الميزانية العسكرية من 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى حوالي 80 في المئة. وخصصت الميزانية العامة 160 مليار شيكل، أي نحو 44 مليار دولار، للنفقات المتعلقة بالأمن والحرب. كما تضمّن عرض الميزانية 44 مليار شيكل، تقريباً 11 مليار دولار، لتلبية الاحتياجات المدنية، بالاضافة إلى 20 مليار شيكل، نحو 5.5 مليارات دولار، مخصصة لعمليات إعادة الإعمار. وتبعاً لوزارة المالية، سيتم تخصيص 9 مليارات شيكل لجنود الاحتياط، و10 مليارات شيكل للنازحين من بلداتهم القريبة من الجبهة الجنوبية والشمالية. كما سيشمل الإنفاق 1.4 مليار شيكل مخصص للرعاية الاجتماعية والصحة النفسية. بالاضافة إلى ذلك، سيتم صرف 16 مليار شيكل كتعويضات للشركات المتضررة.
الجدير بالذكر أن تمويل غالبية الميزانية العسكرية لا يزال يعتمد على الديون المستدانة من الأسواق الدولية، بحيث تجاوزت الحكومة اقتراض 200 مليار شيكل (ما يعادل 53.5 مليار دولار) منذ بداية العام، ما يمثل قفزة تاريخية غير مسبوقة في مستوى الدين العام. وتُشير التقديرات إلى أنّ التحديات الاقتصادية قد تدفع إسرائيل إلى تجاوز إطار الميزانية للمرة الثالثة منذ بداية العام الجاري، وذلك بنحو 40 مليار شيكل، ما سيساهم في رفع العجز المالي إلى 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لما كشفته صحيفة “ذا ماركر” الاسرائيلية. ومن شأن هذا الوضع أن يلحق ضرراً إضافياً بثقة الأسواق في إسرائيل ويؤثر سلباً على سمعة الحكومة المالية، ما قد يسرّع من خفض التصنيف الائتماني للبلاد.
تخفيض وعجز
وكانت وكالة “فيتش” قد خفضت التصنيف الائتماني لإسرائيل في آب/ أغسطس الماضي من “A+” إلى “A”، مشيرة إلى تفاقم المخاطر الجيوسياسية في ظل استمرار الحرب في غزة، والتي من المرجح أن تستمر حتى العام 2025. ولفتت الوكالة إلى المخاطر المحتملة لامتداد الصراع إلى جبهات أخرى، مُضيفة أن التوترات المتزايدة بين إسرائيل وإيران وحلفائها قد تؤدي إلى زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري، فضلاً عن تدمير البنية التحتية، ما يشكل تهديداً كبيراً للنشاط الاقتصادي والاستثماري.
كما توقعت “فيتش” أن تقوم الحكومة الاسرائيلية بزيادة الإنفاق العسكري بصورة دائمة بنسبة 1.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، مع تعزيز دفاعاتها الحدودية. وأشارت إلى أن المالية العامة ستتأثر سلباً، متوقعة عجزاً في الميزانية يصل إلى 7.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2024، مع استمرار الدين العام في تجاوز حاجز 70 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على المدى المتوسط. كما أكدت أن دين البلاد من المتوقع أن يستمر في الارتفاع بعد العام 2025، في حال تنامي الإنفاق العسكري واستمرار الضبابية الاقتصادية.
إنقاذ أم إنهيار؟
لطالما كان الاقتصاد الاسرائيلي يُعتبر من بين الاقتصادات الديناميكية، إلا أنه أصبح اليوم رهينة لعدم الاستقرار نتيجة الضغوط الناجمة عن الحرب والإنفاق العسكري المُتنامي. وتعرضت الآفاق الاقتصادية الى ضربة قوية، بحيث تراجعت توقعات صندوق النقد الدولي من 3.4 في المئة إلى نطاق يتراوح بين 1 و1.9 في المئة.
وتخيّم النظرة التشاؤمية على باحثي معهد دراسات الأمن القومي، الذين يتوقعون أن تعاني إسرائيل من أضرار اقتصادية طويلة الأجل بغض النظر عن نتيجة الصراع. فمع الانخفاض المتوقع في معدلات النمو في جميع السيناريوهات مقارنة بالتوقعات الاقتصادية قبل الحرب، بالاضافة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، من المرجح أن يتفاقم خطر الركود، ما يذكّر بعقد الضياع الذي أعقب حرب يوم الغفران عام 1973.
كلما طال أمد الحرب، زادت حدة الأزمة الاقتصادية في إسرائيل، وهو ما يتجلى في انكماش الاقتصاد بنسبة 1.5 في المئة وتدهور الصادرات والاستثمارات، فضلاً عن تخفيض التصنيف الائتماني وانهيار معظم المؤشرات عبر مختلف القطاعات. وهذا يثير تساؤلات جدية حول مدى قدرة الاقتصاد، الذي يعتمد بصورة مُطردة على المساعدات الدولية، لا سيما الأميركية، على الصمود لفترة طويلة، وكذلك على تغطية تكاليف إعادة الإعمار وسد العجز المتزايد في الميزانية العامة. وفقاً لبيانات “الوكالة الأميركية للتنمية الدولية”، بلغ إجمالي المساعدات الأميركية لإسرائيل بين عامي 1946 و2023 نحو 260 مليار دولار، بحيث يذهب معظمها إلى القطاع العسكري.
لا شك في أن الأزمة الاقتصادية الراهنة تمثل تحدياً هيكلياً طويل الأمد، ما يجعل من الصعب تحقيق أي انتعاش اقتصادي ملموس في الأفق القريب، خصوصاً في حال توسع رقعة الحرب. فهل ستتمكن المساعدات من إنقاذ الاقتصاد الإسرائيلي المهزوم من الضغوط المتزايدة، أم ستكون مجرد حقنة تسكين مؤقتة تسبق الانهيار الاقتصادي الحتمي الذي قد يعجّل في إيقاف آلة الحرب؟


