لبنان تحت وطأة الحرب… التصعيد يجر الاقتصاد نحو السقوط

سوليكا علاء الدين

منذ أكثر من نصف عقد، يخوض الاقتصاد اللبناني غمار أزمة خانقة، تسببت في انهيار واسع النطاق وآثار مدمرة لا تزال ماثلة حتى اليوم. وقد ساهم تصاعد وتيرة الحرب الاسرائيلية في زيادة الضغوط الملقاة على كاهل مختلف القطاعات، ما فاقم من التحديات الاقتصادية وعمّق الأزمة الانسانية على حد سواء. وفي ظل هذا الواقع الاقتصادي المتردي، تتوالى التقارير المتشائمة التي تنذر بتدهور حاد، وتحذر من عواقب وخيمة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية كافة.

الصراع يضرب الاقتصاد

في أحدث تقاريره المتعلقة بالمستجدات الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أفاد البنك الدولي بأن تصاعد الصراع في لبنان يؤدي إلى ارتفاع الخسائر البشرية والاقتصادية، إلا أنّ مدى تأثير هذا التصعيد على لبنان والمنطقة عموماً يعتمد على المسار المستقبلي للصراع. ومع ذلك، من المتوقع أن يؤدي استمرار التصعيد إلى مزيد من تراجع التوقعات الاقتصادية.

وأشار إلى أنّ الاقتصاد كان يعاني بالفعل من ضغوط متزايدة قبل التصعيد الذي بدأ في أيلول 2024، وذلك جراء عدم الاستقرار الاقليمي المتصاعد. وقد أدى هذا الوضع إلى تكبّد لبنان خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات والبنية التحتية، وانخفضت عائدات السياحة، التي كانت تمثل الركيزة الأساسية للنمو الاقتصادي. وتسبّب نزوح السكان من جنوب لبنان في توقف الأنشطة الاقتصادية المحلية، ما أثر سلباً على الإنفاق الاستهلاكي وشكّل عقبة إضافية أمام النمو. كما تضررت المناطق الزراعية في الجنوب بشدة، نتيجة توسع الحرائق وانتشار التلوث. وأسفرت هذه التحديات الأولية عن انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 0.8 في المئة في العام 2023.

وحذّر تقرير حديث للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية حول الآفاق الاقتصادية الاقليمية من أن الاقتصاد اللبناني يتجه نحو انكماش بنسبة 1 في المئة في العام 2024، نتيجة تضافر مجموعة من العوامل السلبية، بما في ذلك الصراع المسلح والأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. وأكّد التقرير أن هذه العوامل قد فاقمت من حدة التدهور وخلقت بيئة من عدم الاستقرار الشديد، ما أدى إلى تآكل فرص النمو الاقتصادي نتيجة لتوقف الاصلاحات وتعثر الاتفاق مع برنامج صندوق النقد الدولي. وعلى الرغم من هذه التحديات الجسيمة، لا يزال هناك بصيص من الأمل في إمكان عودة النمو الاقتصادي المتواضع بنسبة 2 في المئة في العام 2025، مع تأكيد ضرورة تهدئة التوترات الاقليمية وإحراز تقدم ملموس في الاصلاحات الاقتصادية التي أوصى بها صندوق النقد، مشيراً إلى أنّ الاقتصاد اللبناني لا يزال هشاً ومعرضاً لمخاطر عديدة.

القطاع الخاص يعاني

وفي ما يتعلّق بالقطاع الخاص، كشفت وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني عن تراجع ملحوظ في مؤشر مديري المشتريات في لبنان، حيث سجل أدنى مستوى له منذ تشرين الأول 2021 نتيجة لتوسع رقعة الحرب مع إسرائيل. هذا التوسع أدى إلى تعطيل نشاط القطاع الخاص بصورة حادة مع عدم وجود توقعات بحلول قريبة. كما تسبب التصعيد الحالي في الهجمات الاسرائيلية في أضرار مادية كبيرة ونزوح أكثر من 1.2 مليون شخص من الجنوب وبيروت، ما أثر بشدة على نشاط الشحن والمطارات.

وكشفت البيانات الصادرة عن المطارات لشهر أيلول عن انخفاض ملحوظ في عدد الوافدين بنسبة 38.4 في المئة مقارنة بالعام السابق، بالاضافة إلى تراجع بنسبة 34.0 في المئة في عدد عمليات الهبوط والإقلاع. ومن المتوقع أن يؤدي هذا التراجع إلى تدهور كبير في قطاع السياحة ونشاط الاستيراد في لبنان.

وكانت صحيفة “ذا ناشونال” قد ذكرت أن اتساع نطاق الحرب من شأنه أن يؤدي إلى انكماش اقتصادي يتراوح بين 10 و15 في المئة في لبنان هذا العام. كما يُتوقع أن تنخفض عائدات السياحة إلى النصف، ما يقطع الروابط الجوية الحيوية التي تشكل شريان الحياة للاقتصاد اللبناني.

آثار التصعيد

وأصدرت منظمة ريتش (REACH) تقريراً جديداً تناول الآثار المدمرة للتصعيد الحالي على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في لبنان. وتوقعت أن يترك التصعيد الأخير في الصراع آثاراً شاملة وطويلة الأمد على الاقتصاد اللبناني، ما سيؤثر بصورة ملحوظة على سبل عيش السكان الذين أصبحت أوضاعهم هشة جراء سلسلة من الصدمات المركبة التي بدأت في تشرين الأول 2019. وقد تجلى ذلك في تصاعد معدلات الفقر إلى ثلاثة أضعاف، ما يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المواطنون ويشكل مصدر قلق كبير لرفاهيتهم واستمرارية حياتهم.

وقد تسببت الأعمال العدائية على الحدود الجنوبية في تدمير واسع للمساكن والبنية التحتية الانتاجية والأراضي الزراعية بحيث تم توثيق خسائر فادحة في البنية التحتية للكهرباء والطرق العامة والمصانع والأراضي الزراعية. وأظهرت التقديرات أن الأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية، خصوصاً في جنوب لبنان، كانت كبيرة، اذ تقع نحو 22 في المئة من مزارع لبنان في المحافظات الجنوبية وتمثل الزراعة ما يصل إلى 80 في المئة من الناتج الاقتصادي المحلي في بعض المناطق. وقد تفاقمت الخسائر جراء الحرائق الناجمة عن القصف والتلوث الناتج عن استخدام الفوسفور الأبيض. وبالاضافة إلى الخسائر الفورية في الإنتاج، من المتوقع أن تترك هذه الأحداث تأثيرات طويلة الأمد نتيجة تلوث الأراضي الزراعية بالذخائر غير المنفجرة. كما أشارت البيانات المتاحة إلى أنه بين 7 تشرين الأول 2023 و30 أيلول 2024، تعرضت 25 محطة مياه لأضرارجسيمة، ما أثر على إمكان الوصول إلى المياه الآمنة لنحو 360 ألف شخص. كما تم تسجيل 11 حادثة استهدفت المراكز الصحية، وأسفرت عن إغلاق 37 مركزاً صحياً بسبب الظروف الأمنية المرتبطة بالصراع.

نزوح وكوارث

علاوة على ذلك، شهدت البلاد موجات نزوح قياسية، ما ضاعف من الصعوبات المعيشية ليس للنازحين وحسب، بل أيضاً للمجتمعات المضيفة التي تواجه تحديات متزايدة في تأمين احتياجاتها الأساسية الأمر الذي فاقم من حدة الأزمة الانسانية. يُشار إلى أنه تم تهجير أكثر من 1.2 مليون شخص قسراً، أي ما يقارب نحو 20 في المئة من السكان. ومن المتوقع أن يؤدي الطلب المتزايد على السلع والخدمات نتيجة تدفق النازحين إلى ارتفاع حاد في الأسعار، خصوصاً في قطاعات الاسكان والطاقة والمواد الغذائية. وسيساهم هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار في تفاقم أزمة تكلفة المعيشة، ويوسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ما يزيد من حدة التوترات الاجتماعية.

ولا تقتصر آثار النزوح على الأضرار المادية والمعنوية فحسب، بل تمتد لتشمل تغييرات عميقة في التركيبة الاجتماعية والاقتصادية، وخصوصاً في سوق العمل، التي شهدت زيادة ملحوظة في عمالة الأطفال. في الوقت نفسه، فإن هجرة العمالة الماهرة، التي تفاقمت بسبب الصراع، تهدد بانهيار قطاعات حيوية مثل التعليم والرعاية الصحية، ما يؤثر سلباً على قدرة الدولة على التعافي.

ويشكل الأمن الغذائي تهديداً مستمراً للبنان، وفقاً لتحذيرات منظمة الأغذية والزراعة “الفاو”. ففي الام 2022، بلغت نسبة الاعتماد على الواردات لتأمين السعرات الحرارية 80 في المئة، ما يعكس عجز الإنتاج المحلي عن تلبية الاحتياجات الغذائية المتزايدة. ويمثل هذا الاعتماد الكبير على الواردات تهديداً حقيقياً لا سيما في حال حدوث أي اضطرابات. وعلى الرغم من توافر الإمدادات الوطنية حالياً، إلا أن أي اضطراب أمني قد يعوق عملية توزيعها على الأسر المتضررة. ومع استمرار الصراع، قد يصبح الحفاظ على طرق التجارة أكثر صعوبة.

فضلاً عن ذلك، فان تكاليف إعادة إعمار المناطق المتضررة ستكون باهظة، ما يشكل تحدياً كبيراً للدولة في ظل التغيرات الجيوسياسية السريعة في منطقة الشرق الأوسط. فمن غير المتوقع أن يحصل لبنان على مستوى الدعم المالي نفسه الذي تلقاه بعد حرب 2006، ما يزيد من تعقيد جهود التعافي والإعمار. فالفراغ الرئاسي، وغياب حكومة ذات صلاحيات كاملة، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل تهدد بتأخير عملية إعادة الإعمار، الأمر الذي قد يحولها إلى أزمة مفتوحة، ويعقد جهود التعافي، ويطيل أمد المعاناة.

شارك المقال