ترامب إلى البيت الأبيض.. والأسواق العالمية تحت تأثير الفوز

سوليكا علاء الدين
ترامب والاقتصاد

بعد أشهر من الجدل المحتدم والمنافسة الشديدة، نجح المرشح الجمهوري دونالد ترامب في حسم نتيجة سباق الانتخابات الرئاسية الأميركية بفوزه على المرشحة الديموقراطية كامالا هاريس، محققاً بذلك عودة سياسية استثنائية ومثيرة إلى سدة الحكم بعد أربع سنوات من مغادرته البيت الأبيض. تمثل هذه العودة مفاجأة مدوّية في الساحة السياسية الأميركية، وتُجسد التحولات الجذرية والعميقة التي شهدتها البلاد في الآونة الأخيرة. وقد أثار فوز ترامب موجة من الصدمات في الأسواق العالمية، التي تشهد حالة من الاضطراب والتقلبات الحادة، في ظل تزايد حالة عدم اليقين وتصاعد المخاوف بشأن السياسات الاقتصادية المرتقبة، والتي يتوقع أن تترك تأثيرات بعيدة المدى على التجارة العالمية والاستثمارات الدولية، ما يعمّق حالة الترقب ويزيد من الغموض المحيط بالمشهد الاقتصادي العالمي في الفترة المقبلة.

فكيف تفاعلت الأسواق الأميركية والعالمية مع فوز ترامب؟ 

تألق الدولار وتراجع الذهب

كان الرابح الأكبر، من دون شك، هو الدولار الأميركي، الذي شهد ارتفاعاً ملحوظاً في يوم واحد، محققاً أكبر زيادة له منذ حزيران 2016، بحيث ارتفع مؤشر الدولار مقابل ست عملات رئيسية بما في ذلك اليورو والين، بنسبة 1.48 في المئة ليصل إلى 104.98 صباح الأربعاء. وكان قد بلغ في وقت سابق من الجلسة مستوى 105.19، وهو الأعلى له منذ أربعة أشهر، ما يضعه على مسار تحقيق أفضل أداء يومي منذ آذار 2020.

في ظل استمرار قوة الدولار المدعومة بارتفاع ما يُعرف بـ “التداولات المراهنة على سياسة ترامب” وزيادة التوقعات بتباطؤ وتيرة تخفيضات أسعار الفائدة، تراجعت أسعار الذهب أمس الأربعاء بنسبة تجاوزت 3 في المئة لتصل إلى أدنى مستوياتها في نحو ثلاثة أسابيع بعد تسجيله ذروة غير مسبوقة الأسبوع الماضي عند 2790.15 دولار. ويأتي هذا التراجع بالتزامن مع ترقب شديد من المستثمرين لقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في اجتماعه المقبل. كما أنّ تزايد احتمالية ارتفاع عوائد السندات الأميركية نتيجة لزيادة التعريفات الجمركية والتضخم، يقلل من جاذبية الذهب كأداة استثمارية. ومع بلوغ الدولار أعلى مستوى له في أربعة أشهر، أصبح المعدن الأصفر – الذي يُعتبر ملاذاً آمناً للمستثمرين في أوقات الأزمات – أكثر تكلفة للمشترين الذين يتعاملون بعملات أخرى، وهو ما أدى إلى تراجع الطلب عليه.

كذلك، تراجعت أسعار المعادن النفيسة الأخرى، بحيث انخفضت الفضة بنسبة 1.4 في المئة إلى 32.19 دولاراً للأونصة، والبلاتين بنسبة 1.2 في المئة إلى 987.43 دولاراً، بينما سجل البلاديوم انخفاضاً بنسبة 1.4 في المئة ليصل إلى 1060.94 دولاراً. وسجلت المعادن الثلاثة أدنى مستوياتها في ثلاثة أسابيع.

النفط في تراجع

وبدعم من التوقعات بفوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية، تراجعت أسعار النفط بصورة حادة يوم الأربعاء أيضاً، مسجلة انخفاضاً يزيد عن 1 في المئة بعد سلسلتين من المكاسب، وذلك في ظل ارتفاع قيمة الدولار الأميركي. كما أسهمت الزيادة غير المتوقعة في مخزونات النفط الخام الأميركية في تعزيز الضغوط على الأسعار. وتشير التوقعات إلى أن السياسات الاقتصادية التي قد يتبناها ترامب ستؤدي إلى مزيد من الضغوط على الاقتصاد الصيني، أكبر مستورد للنفط في العالم، ما قد ينعكس سلباً على الطلب العالمي على النفط الخام.

يُذكر أنّ ترامب اقترح فرض رسوم جمركية قاسية على الواردات الصينية تتجاوز 60 في المئة، مع إنهاء الامتياز التجاري الذي يمنح الصين وضع “الدولة الأولى بالرعاية”، بحيث تصدر الصين على أساس سنوي سلعاً تتجاوز قيمتها 400 مليار دولار إلى الولايات المتحدة، بالاضافة إلى مكونات يتم استخدامها في تصنيع منتجات يشتريها الأميركيون من الخارج، والتي تبلغ قيمتها مئات المليارات الأخرى.

انتعاش للأسواق الأميركية والبتكوين

ومع انطلاق جلسات التداول، شهدت أسواق الأسهم الأميركية بداية قوية بحيث ارتفع مؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 2.82 في المئة، محققاً مكاسب قدرها 1190 نقطة ليصل إلى مستوى 43412.81 نقطة. كما سجل مؤشر ناسداك المركب ارتفاعاً بنسبة 1.69 في المئة، فيما حقق مؤشر راسل 2000 للأسهم الصغيرة أداءً قوياً بارتفاعه بنسبة 4.1 في المئة، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ ثلاث سنوات. في الوقت نفسه، انخفض مؤشر الخوف بنحو 5 نقاط، مسجلاً أدنى مستوى له منذ أيلول الماضي، ليعكس بذلك تراجع المخاوف لدى المستثمرين بعد انتهاء فترة عدم اليقين الانتخابي.

من جهتها، شهدت عملة البتكوين الرقمية قفزة ملحوظة، محققة أعلى مستوياتها التاريخية. ويأتي هذا الارتفاع في ظل تزايد رهانات الأسواق على فوز المرشح الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأميركية، ما عزز التفاؤل وزاد من التقلبات في الأسواق المالية. وارتفعت عملة البتكوين بنسبة 8.63 في المئة لتسجل 75,120 دولاراً، وسط توقعات بأن يكون ترامب أكثر دعماً للعملات المشفرة مقارنةً بالديموقراطية هاريس.

الأسواق الأوروبية… ترتبك

من المتوقع أن فوز ترامب سيسهم في زيادة مستويات عدم اليقين بالنسبة الى الاقتصادات الأوروبية، وذلك بسبب سياساته المثيرة للجدل في مجالات عدة، مثل مواقفه الحازمة تجاه قضايا تغير المناخ، وتوجهاته القومية المتمثلة في سياسة “أميركا أولاً”، بالاضافة إلى استمراره في فرض التعريفات الجمركية. وقد ترك هذا الفوز تأثيراً ملحوظاً على الأسواق الأوروبية حيث شهدت الأسهم الأوروبية قفزة قوية بلغت نحو 2 في المئة صباح الأربعاء، مدفوعة بالارتفاع الملحوظ في العقود الآجلة للأسواق الأميركية. فقد ارتفع مؤشر “ستوكس 600” الأوروبي بنسبة 1.7 في المئة، ليقترب من تحقيق أكبر مكسب يومي له هذا العام. كما سجلت العقود الآجلة لمؤشر “ستاندرد آند بورز 500” زيادة تجاوزت 2 في المئة. في السياق نفسه، شهد مؤشر شركات الطيران والدفاع الأوروبية قفزة بنسبة 2.7 في المئة، محققاً أعلى مستوى قياسي له على الاطلاق، في ظل التفاؤل الذي ساد الأسواق بعد إعلان نتائج الانتخابات.

وفي المقابل، تراجعت أسهم شركات الطاقة النظيفة الأوروبية بصورة كبيرة، بحيث انخفضت أسهم شركة “أورستيد”، أكبر مطور لطاقة الرياح البحرية في العالم، بنسبة 9.5 في المئة. كما تراجعت أسهم شركتي “فيستاس” و”نوردكس”، اللتين تعملان في تصنيع توربينات الرياح، بنسبة 8.7 و3.4 في المئة على التوالي. كذلك، شهدت أسهم شركة “آر دبليو إي” الألمانية، التي تمتلك أيضاً أصولاً في مجال طاقة الرياح، انخفاضاً بنسبة 2.3 في المئة، بينما تراجعت أسهم شركة “إيه دي بي رينوفافيس”البرتغالية بنسبة 6.8 في المئة.

أما بالنسبة الى اليورو، فقد سجل انخفاضاً حاداً بنسبة 1.92 في المئة ليصل إلى 1.0719 دولاراً، مسجلاً أدنى مستوى له منذ الثاني من تموز الماضي. كما تراجع الجنيه الاسترليني بنسبة 1.35 المئة ليصل إلى 1.2865 دولاراً، ما يعكس تزايد الضغوط على العملتين في ظل التقلبات التي شهدتها الأسواق بعد إعلان فوز ترامب.

تقلبات آسيوية

وفي ما يتعلق بأسواق الأسهم الآسيوية، سجلت تداولات متباينة، بحيث حقق مؤشر نيكاي 225 الياباني ارتفاعاً واضحاً بنسبة 2.6 في المئة ليصل إلى 39,480.67 نقطة. في المقابل، تراجع مؤشر هانغ سنغ في هونغ كونغ بنسبة 2.6 في المئة ليغلق عند 20,475.39 نقطة، عقب ثلاثة أيام من المكاسب المتتالية. أما في الصين، فقد سجل مؤشر شنغهاي المركب زيادةً ضعيفةً بنسبة 0.1 في المئة ووصل الى 3,388.70 نقطة. وعلى صعيد العملات، ارتفع الدولار الأميركي أمام الين الياباني بنسبة 1.8 في المئة ليبلغ 154.34 ين، وهو أعلى مستوى له منذ 30 حزيران. في حين تراجع الدولار الأسترالي بنسبة 1.87 في المئة، مسجلاً أدنى مستوى له في ثلاثة أشهر عند 0.6513 دولار.

صعود أخضر للخليج

أسواق الخليج أيضاً لم تكن بمعزل عن تأثير فوز ترامب، حيث شهدت أسواق الأسهم الخليجية ارتفاعاً كبيراً في بداية تداولات يوم الأربعاء. قفز مؤشر السوق السعودي الرئيس بنسبة 1 في المئة ليصل إلى 12138.22 نقطة، فيما ارتفع مؤشر سوق دبي المالي بنسبة 0.53 في المئة مسجلاً 4618.68 نقطة. أما في أبوظبي، فقد استقر مؤشر سوق أبوظبي للأوراق المالية عند المستوى نفسه 4618.68 نقطة، بزيادة طفيفة قدرها 0.01 في المئة. كما سجل مؤشر بورصة قطر نمواً طفيفاً بنسبة 0.22 في المئة ليصل إلى 10568.52 نقطة، بينما ارتفع مؤشر السوق العام في الكويت بنسبة 0.34 في المئة ليصل إلى 7173.72 نقطة. وفي عُمان، استقر مؤشر بورصة مسقط عند 4725.44 نقطة بزيادة ضئيلة بنسبة 0.07 في المئة، في حين حافظ مؤشر بورصة البحرين على استقراره عند 2019.72 نقطة بزيادة هامشية بلغت 0.01 في المئة.

الاقتصاد العالمي.. تحديات وفرص

لطالما شكّل الاقتصاد محوراً رئيسياً في المعركة الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه حتى بعد الاعلان عن نتائجها، بحيث سيبقى في صدارة الأجندة السياسية. بين رابح وخاسر، تعكس حركة الأسواق صورة دقيقة للتباين الذي قد يواجهه الاقتصاد العالمي في الفترة المقبلة، لا سيما وأنّ فوز ترامب يمثل مشهداً اقتصادياً مليئاً بالتحديات والفرص من شأنه أن يترك آثاراً بالغة على الاقتصاد الأميركي والعالمي على حد سواء، كما قد يعيد تشكيل مسار العلاقات الدولية والتحالفات الجيوسياسية والاقتصادية ما يساهم في إحداث تحولات جذرية في النظام الاقتصادي العالمي بأسره.

شارك المقال