في وقت تتزايد فيه الضغوط النفسية والاضطرابات المرتبطة بالقلق والتوتر، لم تعد وسائل العلاج تقتصر على الجلسات التقليدية داخل العيادات، إذ بدأت الحيوانات تدخل تدريجيًا إلى المجال العلاجي، بعدما أظهرت دراسات أن التفاعل معها قد يساعد في تخفيف أعراض عدد من الحالات، بينها الاكتئاب واضطرابات القلق والتوحد واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، إضافة إلى التوتر والخرف.
لكن خلف هذه العلاقة التي تبدو بسيطة بين الإنسان والحيوان، يوجد مسار علاجي منظّم يعرف باسم العلاج بمساعدة الحيوانات، يقوم على استخدام حيوانات مدرّبة ضمن برامج محددة يشرف عليها متخصصون، مثل المعالجين النفسيين وأخصائيي العلاج الوظيفي أو الطبيعي، بهدف مساعدة المرضى على تحقيق أهداف علاجية واضحة ومتابعة التقدم الذي يحرزونه.
عندما يصبح الحيوان جزءًا من الخطة العلاجية
لا يشبه العلاج بمساعدة الحيوانات مجرد امتلاك حيوان أليف أو قضاء وقت معه، بل يعتمد على إجراءات مخططة وموجهة يكون فيها الحيوان عنصرًا أساسيًا ضمن العملية العلاجية.
ويشارك في هذه البرامج متخصصون مؤهلون يتولون وضع الأهداف ومراقبة النتائج، فيما يبقى دور الحيوان مساعدًا ضمن خطة علاجية متكاملة.
ولا يحظى مصطلح “العلاج بمساعدة الحيوانات” بحماية قانونية خاصة، لكنه معرّف من قبل عدد من الجمعيات والجهات المهنية المتخصصة. كما يوجد مفهوم أوسع يعرف باسم التدخلات بمساعدة الحيوانات، ويشمل أنشطة تربوية واجتماعية تستخدم الحيوانات في أماكن مثل المدارس ودور الرعاية، من دون أن تكون علاجًا بالمعنى الطبي المباشر.
لماذا تمنحنا الحيوانات شعورًا بالراحة؟
تفسر الدراسات العلمية جانبًا من التأثيرات الإيجابية للتفاعل مع الحيوانات من خلال دور هرمون الأوكسيتوسين، وهو هرمون وناقل عصبي يرتبط بالشعور بالثقة والترابط الاجتماعي وتقليل مستويات التوتر.
فعند المشي مع كلب، أو مداعبة قطة، أو الاعتناء بحيوان، أو حتى مراقبة الأسماك في حوض، قد يستجيب الجسم بحالة من الاسترخاء تساعد الشخص على الشعور بالأمان والهدوء.
وتوضح عالمة النفس أندريا بيتز، أستاذة التعليم الخاص في الجامعة الدولية للعلوم التطبيقية في إرفورت بألمانيا ورئيسة الجمعية الدولية للعلاج بمساعدة الحيوانات، أن الشعور بالاسترخاء الناتج عن هذا التفاعل يمكن أن يساعد الأشخاص على تطوير الثقة وزيادة الدافع.
وتضيف أن الحالة المزاجية الإيجابية التي تنتج عن التواصل مع الحيوانات قد تجعل المرضى أكثر انفتاحًا وأقل خوفًا من خوض تجارب جديدة.
من الاكتئاب إلى التوحد… أين تظهر الفوائد؟
تشير دراسات إلى وجود تحسن ملحوظ لدى بعض الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب واضطرابات القلق وأعراض التوتر عند إدخال العلاج بمساعدة الحيوانات ضمن برامجهم العلاجية.
كما يمكن للحيوانات أن تساعد الأشخاص المصابين بالتوحد على الشعور بمزيد من الطمأنينة، إضافة إلى دعم مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي واستقرار المزاج.
وفي حالات الخرف، قد يساهم وجود الحيوان في تقليل الشعور بالعزلة وتحسين الحالة العاطفية، من خلال خلق تفاعل بسيط ومستمر يمنح الشخص شعورًا بالارتباط.
العلاج بالخيول… أكثر من مجرد ركوب
يعد العلاج بمساعدة الخيول، المعروف أحيانًا بالعلاج بركوب الخيل، من أشهر أشكال هذا المجال، لكنه لا يقتصر على تجربة الركوب فقط.
فالحركات الطبيعية والإيقاعية للحصان الذي يقوده مدرب أو معالج يمكن أن تساعد بعض الأطفال في تحسين التوازن والتناسق الحركي والقوة الأساسية، إضافة إلى دعم التكامل الحسي والمهارات الاجتماعية والسلوك التعليمي وتعزيز احترام الذات.
غالبًا ما تستخدم الكلاب والخيول في برامج العلاج بمساعدة الحيوانات، إلا أن المجال يشمل حيوانات أخرى يمكن أن تقدم دعمًا مشابهًا، مثل الحمير واللاما والألبكة، بسبب طبيعتها الهادئة والودية.
كما يمكن الاستعانة في بعض الحالات بحيوانات المزارع، مثل الماعز والأغنام والخنازير والأبقار والدجاج، بحسب طبيعة البرنامج والحالة المستهدفة.
حدود العلاج… والحيوان ليس بديلًا عن الطبيب
رغم النتائج الإيجابية التي رصدتها دراسات عدة، لا يعتبر العلاج بمساعدة الحيوانات بديلًا عن العلاج النفسي أو الطبي، بل وسيلة داعمة يمكن دمجها ضمن خطة علاجية متكاملة.
وتعتمد فعالية هذا النوع من العلاج على عوامل عدة، بينها شخصية الحيوان ومزاجه، مستوى تدريبه، العلاقة بين المريض والمعالج، ومدى توافق هذا الأسلوب مع حالة الشخص.
كما تبقى رفاهية الحيوان جزءًا أساسيًا من نجاح العلاج، إذ يجب احترام احتياجاته وتوفير فترات راحة له ومكان آمن يلجأ إليه عند الحاجة.
وتشير جمعيات متخصصة في رعاية الحيوانات إلى أن بعض الحيوانات الصغيرة، مثل الأرانب والخنازير الغينية، قد لا تكون مناسبة للعلاج الذي يعتمد على اللمس والحمل، لأن ذلك قد يكون مرهقًا لها.
اختيار المعالج المتخصص… شرط أساسي
ينصح الخبراء باللجوء إلى مختصين لديهم خبرة علاجية فعلية، إلى جانب تدريب إضافي في مجال العلاج بمساعدة الحيوانات، لأن امتلاك حيوان أو القدرة على التعامل معه لا يكفي لإنجاح هذا النوع من البرامج.
كما تؤكد أندريا بيتز أهمية أن يكون المعالج قد عمل لسنوات في مجاله قبل إدخال الحيوان إلى جلساته، حتى يتمكن من التركيز على احتياجات المريض والحيوان معًا، والانتباه إلى علامات التوتر التي قد تظهر على الحيوان.
وفي النهاية، لا يمكن للحيوان أن يحل مكان الطبيب أو المعالج، لكنه قد يصبح عنصرًا مساعدًا في رحلة التعافي، عندما يكون وجوده جزءًا من برنامج مدروس يقوم على العلم والمسؤولية واحترام العلاقة بين الإنسان والحيوان.


