لا شيء يختصر واقع طريق ضهر البيدر أكثر من مشهد الحوادث شبه اليومية والزحمة التي تخنق العابرين بين البقاع وبيروت. طريق ضيّقة، محفوفة بالمخاطر، تفتقر إلى الإنارة والحماية، وتتحوّل مع كل منخفض جوي إلى مسرح انزلاقات وشلل مروري. وفي بلد طبيعي، لكانت هذه الطريق أولوية قصوى، لأنها الشريان الوحيد الذي يربط مئات آلاف المواطنين بالعاصمة. لكن في لبنان، تتحوّل المأساة إلى “قدر” يُترك للناس كي يتعايشوا معه.
ووسط هذه الفوضى، تبرز الإشكالية الأساسية: لماذا ما زال الأوتوستراد العربي معلّقاً منذ سنوات رغم أنه الحل الوحيد القادر على إنهاء معاناة الناس؟ ولماذا تُحذَف فكرة نفق ضهر البيدر من كل اجتماع رسمي، رغم أنه مشروع جاهز ويمكن تنفيذه بنظام BOT من دون أن تتكبّد الدولة ليرة واحدة؟ ولماذا تُقابَل أرواح البقاعيين باستخفاف لا يليق بدولة تدّعي الحرص على مناطقها الطرفية؟
حضرت هذه الأسئلة بقوة في الاجتماع الأخير الذي جمع نواب البقاع وبعض رؤساء بلديات المنطقة برئيس الحكومة نواف سلام، ووزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، ورئيس مجلس الإنماء والإعمار محمد قباني، لكن الإجابات جاءت “تجميلية” لا ترقى إلى مستوى الأزمة: إنارة، حواجز، رشّ ملح، وتوسيع محدود حيث يمكن. إجراءات أقرب إلى “ماكياج” على وجه الكارثة، فيما المشكلة الفعلية أبعد بكثير من لمبة تُضاء أو حاجز يُستخدم كعلاج موضعي لطريق تكاد تنهار من قواعدها.
طريق ضهر البيدر: مأساة يومية تبحث عن حل
على مدى سنوات، ظلّت هذه الطريق مساحة مشتركة بين الخطر والإهمال. عرضها الضيّق، سبعة إلى ثمانية أمتار، يجعل أي عطل بسيط سبباً في توقّف السير بالكامل. غياب الإنارة يقلب كل ليلة إلى مخاطرة، والانزلاقات في الشتاء تحوّل المسار إلى ما يشبه حلبة تجارب. ومع كل موسم عاصف تعود المأساة نفسها: سيارات عالقة، حوادث، طوابير، وتأخّر يصل أحياناً إلى ساعات. وما زاد الطين بلّة أنّ الاجتماع الأخير خرج بحلول لا تلامس حجم المشكلة!
الأوتوستراد العربي… الشريان الحيوي المقطوع
منذ سنوات، يُفترض أن يكون الأوتوستراد العربي هو الحل الحقيقي لربط البقاع ببيروت عبر طريق حديثة، آمنة وسريعة. هذا المشروع الذي موّله سابقاً الصندوق السعودي توقّف فجأة: استملاكات لم تُستكمل، تكاليف زادت، وتمويل اختفى. ومع ذلك، لا توجد خارطة طريق واضحة لإحيائه.
الأخطر أنّ مشروع النفق، الممرّ الوحيد الذي يمكنه إنهاء خطر ضهر البيدر جذرياً، ما زال خارج التداول الرسمي، رغم إمكانية تنفيذه بنظام BOT من دون أي كلفة على الدولة، تماماً كما يحصل في مشروع مطار القليعات.
فلماذا تُعطَّل المشاريع التي تخصّ البقاع؟ ولماذا تُفتح أبواب التمويل لمناطق أخرى بينما يبقى الشريان الأساسي لمنطقة كاملة معلّقاً بين الإهمال والانتظار؟
ضاهر: التمويل معطّل… والحلول الحالية مؤقتة
أكد النائب ميشال ضاهر في حديث خاص لـ”لبنان الكبير” أنه تواصل مع رئيس الحكومة نواف سلام، وتمنّى حضور كل من وزير الأشغال ورئيس مجلس الإنماء والإعمار “ليُقال كل شيء بوضوح”، على حدّ قوله. وأوضح أن “الأوتوستراد العربي ليس مسؤولية وزارة الأشغال بل مجلس الإنماء والإعمار، وأنّ الصندوق السعودي كان المموّل الأساسي للمشروع قبل أن تتوقف الأمور”.
وكشف أنّ كلفة المشروع تضخّمت بسبب انزلاق التربة وبعض الاستملاكات، مضيفاً: “قباني قال إننا بحاجة إلى دراسة جديدة وربط التمويل بالصناديق العربية، لكن برأيي لا أحد سيعطي لبنان ليرة قبل حلّ مسألة سلاح حزب الله”. وأكد أنه رفع الصوت مرات عدّة، لكن التمويل غائب، وأنّ “الـ200 مليون دولار المطلوبة لاستكمال المشروع رقم كبير في ميزانية لا تتخطّى الـ4 مليارات”.
وأشار ضاهر إلى أنه “أمام هذا الواقع، تمّ التوجّه لحلول مبدئية”، موضحاً أن أصعب مقطع هو بين ضهر البيدر وشتورة، وأنّ العمل سيبدأ على التوسيع ووضع الحواجز الوسطية والإنارة قدر الإمكان، مع وعد بانتهاء الإضاءة خلال ستة أسابيع، بينما يستغرق العمل على الطريق أشهراً بسبب الشتاء. وختم مؤكداً أن “الدراسة الشاملة للأوتوستراد ستُستكمل بالتوازي، إما بتمويل عربي أو بالضغط لرصد الأموال من الموازنة”.
الحشيمي: الحلول الحالية ليست جذرية
قال النائب بلال الحشيمي إن الاجتماع توصّل إلى سلّة إجراءات سريعة بسبب غياب التمويل بالكامل، والسعودية كانت تموّل المشروع سابقاً لكنها اليوم لا تقدّم أي تمويل بسبب انعدام الثقة.
وأكد الحشيمي عبر “لبنان الكبير” أنه شدّد خلال الاجتماع على ضرورة استكمال الأوتوستراد العربي، موضحاً أن “الطريق يعاني من تصدّعات ويحتاج إلى دعامات، والحلول الحالية ليست إلا مبدئية وغير كافية”. ودعا إلى لقاء جامع يضمّ النواب والمقاولين والشركات لإعداد دراسة جدّية تُقدَّم بطريقة محترفة لضمان إقلاع المشروع من جديد، محذّراً من الوقوع في الشعبوية.
الميس: ما عُرض علينا “حبّة مُسكّن”!
أما رئيس بلدية برالياس رضا الميس، فقال في حديث خاص لـ”لبنان الكبير” إن البلديات لم تكن راضية عن الحلول المطروحة، معتبراً أنها “تشبه حبّة مسكّن لوجع عميق”. وأشار إلى أن مشروع النفق مؤجَّل لأن تنفيذه عبر BOT يصطدم بغياب الشركات المستعدة للعمل في لبنان في الظروف الحالية.
وأضاف أن البلديات “اضطرت للقبول على مبدأ “الكحل أحسن من العمى”، موضحاً أن وصلة مجدل عنجر صغيرة ويمكن تنفيذها سريعاً، لكن وصلات ضهر البيدر – بوارج باهظة جداً ولم تُستكمل استملاكاتها منذ 14 عاماً. وختم بالقول: “نعم، نريد الأوتوستراد العربي، لكن ما دام التمويل مفقوداً سنقبل مؤقتاً بإنارة وحواجز وتوسيع محدود”.
حمّود: لا للتصويت على الموازنة
وشدّد رجل الأعمال محمد شفيق حمود على أن ما صدر عن الاجتماع لا يرتقي إلى مستوى الأزمة، محذّراً من أنّ التركيز على الحلول السطحية قد يدفن المشروعين الأساسيين: الأوتوستراد العربي والنفق.
واعتبر حمود أن “الاكتفاء بالإنارة والحواجز يشبه عملية وضع الماكياج على المشكلة”، مشيراً إلى أن الناس تريد طريقاً آمناً لا ترقيعاً. وسأل: “كيف يُشطب مشروع النفق من النقاش وهو قابل للتنفيذ بنظام BOT من دون أي كلفة على الدولة؟ وكيف يُبرَّر غياب التمويل عن الأوتوستراد العربي فيما مشاريع أخرى تحصل على تمويل فوري؟”.
وختم مؤكداً أنّ “صوت الناس لن يخفت، والمعركة لن تُقفل قبل وضع خطة حقيقية تضمن طريقاً آمنة ومستدامة، وعلى نواب البقاع أن يتحمّلوا مسؤولياتهم وعدم التصويت على الموازنة قبل أي حلول جدّية بالنسبة للأوتوستراد والنفق، وإلّا سنعتبرها شراكة في استمرار هدر دماء أهل المنطقة”.
مطران: لا مؤشرات جدّية والدوائر المركزية غير مؤهّلة
يرى رئيس المرصد اللبناني للسلامة المرورية لدى “جوستيسيا” ورئيس بلدية شتورة ميشال مطران أنّ الاجتماع الأخير لم يُنتج ما يمكن البناء عليه، معتبراً أن غياب الجدول الزمني يعني أنه لا يمكن البناء على أي شيء ولا الحكم عليه.
يقول مطران عبر “لبنان الكبير” إن الإدارات المركزية غير مؤهّلة تقنياً ومالياً وبشرياً للتعامل مع ملف السلامة المرورية أصلاً. فكل النقاشات الرسمية، بحسب تعبيره، تنتهي عند تنظيم السير أو تزفيت الطرق، بينما تُهمل المعايير العالمية للسلامة. ويضيف: “مشاكل السير شيء، والسلامة المرورية شيء آخر. وما دام دور قوى الأمن غائباً ستبقى أي حلول ناقصة”.
ويعتبر مطران أنّ النقاش حول إنارة الطريق يعكس جهلاً بالمفاهيم الأساسية، وبحسب قوله: “في كل دول العالم الطريق بيحكي من دون ضوّ. خطوط، علامات، عواكس، معايير. هون بدنا لمبات على الطاقة الشمسية ومنسأل مين بدو يبدّلها بعد ما تتعطّل؟”.
أما اقتراح إنشاء نفق BOT، فيصفه بأنه غير واقعي، سائلاً: “مين بدّو يستثمر 100 مليون دولار ويقعد 30 سنة ليستردّهم ببلد مفلس؟”. ويختم: “قبل أي مشروع إضافي خلّونا نكمّل الأوتوستراد الأساسي”.
ويشير مطران إلى ٨ نقاط تتسبّب بارتفاع نسبة الإماتة على طريق ضهر البيدر، وهي:
١. عدم تقيد الشاحنات بالأوزان والحمولات وغياب أي نقطة رقابة على أوزانها.
٢. غياب الفاصل الوسطي.
٣. غياب استعمال حزام الأمان وعدم تدقيق حاجز ضهر البيدر بمخالفات السلامة المرورية.
٤. غياب الدوريات الطرقية التي تكفل انتظام المرور.
٥. غياب فرق صيانة وزارة الأشغال التي عليها متابعة المشاكل الطارئة.
٦. غياب المعاينة الميكانيكية منذ سنوات وضعف رقابة الشركات على أساطيلها.
٧. تعدد الأكشاك المخالفة على طريق دولي.
٨. غياب مركز قريب للدفاع المدني أو الصليب الأحمر اللبناني، وبرأيه حلّها غير مكلف أبداً ويمكن حلّ جزء كبير من المشكلة عند الالتزام بها.
يازا: تأهيل الطريق وفق معايير السلامة المرورية والفتحات الوسطية خطر مباشر
يؤكد مؤسس جمعية “يازا” زياد عقل أن الطريق بين الحازمية وضهر البيدر وشتورة يجب أن يُعاد تأهيله وفق معايير دقيقة، مشدداً على ضرورة إلغاء الفتحات الوسطية نهائياً، ووضع فاصل وسطي يمنع الانعطافات الخطرة.
ويطالب عقل بحقوق المشاة، خصوصاً على الجسور التي تمرّ فوق الأوتوستراد، حيث يحتاج السكان إلى سلالم آمنة للصعود والنزول. كما يلفت إلى الانحدارات الحادة على الطريق وسوء تطبيق القانون، معتبراً أن غياب دوريات الدرك الدائمة يزيد من مستوى الخطر.
يقول عقل إن الإنارة ضرورية لكنها ليست الحل السحري، موضحاً أن المعايير الدولية تعتمد على “cat eyes” وعواكس أرضية مدروسة، وهي إجراءات ساهمت “يازا” في دفع وزارة الأشغال لاعتمادها من الحازمية حتى ضهر البيدر، لكنه يشدد على أن الفتحة الوسطية في صوفر وحدها كافية لإحداث كوارث متكررة ما لم تُقفل فوراً.
صرخة من قلب الطريق: فتحة قاتلة وجسر بلا درج
من جهة أخرى، ينقل أحد سكان محيط الفتحة الوسطية الخطرة في صوفر صورة يومية لما يعيشه الأهالي. يوضح أن الفتحة كانت مزوّدة بـ”جارور حديد” خاص بسيارات الإسعاف، لكن سيارة صدمته منذ سنوات فاختفى ولم يُستبدل. ومنذ ذلك الوقت، تحولت الفتحة إلى “مصيدة” تسببت بحوادث مميتة وجرحى بشكل متواصل.
ويقول: “بلّغنا وزارة الأشغال عبر يازا سكّروا فتحة بالمديرج، بس فتحة صوفر بعدها متل ما هي. وما حدا وصل لها”.
الشكوى لا تقف هنا. فالجسر فوق الأوتوستراد العربي يتحوّل يومياً إلى مخاطرة: طلاب جامعات، موظفون مدنيون وعسكريون، يضطرّون للنزول عبر منحدر صخري للوصول إلى الفانات، لأن الجسر لا يملك درجاً على الخطّ الطالع. النتيجة؟ أشخاص يقطعون الأوتوستراد السريع، وبعضهم تعرّض للدهس.
المخاتير ورئيس البلدية رفعوا مراجعة رسمية، والملف مسجّل لدى وزارة الأشغال وينتظر التنفيذ. المطلوب بسيط: إنشاء درج يربط خط التوقف الاضطراري بسطح الجسر، ليعبر الناس بأمان.
رأي خبراء: الطرقات غير جاهزة للاحتمالات
يؤكد مهندسون أن لبنان يفتقر إلى فريق هندسي متنقّل يُجري كشفاً دورياً على النقاط السوداء. ويشرح مهندس مروري: “من الطبيعي أن تحصل أخطاء بشرية، لكن الأخطر أن تكون الطرقات مصمّمة بطريقة تساعد الحوادث بدل ما تمنعها”. ويشير إلى أن كثيراً من الحوادث يمكن تفاديها عبر إعادة تصميم المنعطفات الخطرة، تركيب إشارات ذكية، تحديث اللوحات، وإبعاد الشاحنات الثقيلة عن ساعات الذروة، لكن هذه الإجراءات تحتاج قراراً، والقرار مفقود.
القوانين موجودة لكن التطبيق غائب
يُوضح عسكري في قوى الأمن عبر “لبنان الكبير” أن “القانون موجود وواسع ومفصّل، لكن المشكلة أنه لا يوجد تطبيق بمستوى خطورة الطرق”. ويضيف: “بتعملي ضبط، بس ما فيك تجبري الطريق تكون آمنة إذا هي مصممة غلط”.
ويؤكد مصدر من غرفة التحكم المروري أن الكاميرات تلتقط عشرات المخالفات يومياً، لكن الإجراءات الردعية غير فعّالة لعدة أسباب، منها ضعف المراقبة الميدانية، أحياناً نقص العناصر، والفوضى التي تجعل تطبيق القانون معركة يومية.
بين غياب الرؤية وتكرار الحوادث… الوقت ينفد
صورة الطريق اليوم تكشف خللاً بنيوياً لا يمكن معالجته بالاجتماعات أو بالحلول التجريبية. فالفوضى في الفتحات الوسطية، غياب المعايير الهندسية، انعدام الرقابة، وسوء إدارة الملفات كلها تجعل الطريق بين الحازمية وشتورة واحداً من أخطر المقاطع في لبنان.
وما بين تحذيرات الخبراء وصرخات السكان، تبدو المعادلة واضحة: الحلول موجودة، والكلفة معروفة، لكن الإرادة غائبة. إلى أن تتحوّل الاجتماعات إلى خطط، والخطط إلى تنفيذ وفق التسويات السياسية، ووضع البلد، وإمكانية نيل ثقة الخارج من جديد، سيبقى الطريق يدفع ثمنه من أرواح الناس. والمطلوب اليوم ليس وعوداً جديدة، بل قرار واضح يجعَل السلامة أولوية وطنية، لا ملفاً موسمياً يُفتح بعد كل حادث ثم يُترك جانباً حتى الكارثة التالية.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.