فشل المشروع الإيراني والتموضع الاستراتيجي

خالد العزي

إذا كانت إيران قد فشلت في مشروعها الإقليمي وأصيبت بهزيمة استراتيجية، فإن ذلك يعد خطوة هامة في مسار تحوّل القوى الإقليمية في المنطقة. ورغم أن هذه الهزيمة قد تكون محورية في قراءة الواقع السياسي الحالي، فإن جماعة المحور الإيراني وحلفاءها يرفضون الاعتراف بها بشكل علني. في نظر هذه الأحزاب، الهزيمة ليست نهاية المشروع، بل هي مجرد “إعادة تموضع” أو “انسحاب تكتيكي” يسبق مرحلة جديدة من الصراع. وهذا يعكس الثقافة العسكرية والتفكير الإيديولوجي للأحزاب التسلطية والطائفية، التي ترى في أي هزيمة تكتيكية جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تحقيق النصر النهائي.

فيما يتعلق بالموقف الإيراني، فإنه يعكس صورة ذات طابع “مقدّس” و”إلهي” في التعامل مع الحروب والصراعات، حيث تُروّج هذه الأطراف لفكرة أن “الموت في المعركة” هو في ذاته انتصار روحاني وأيديولوجي، إذ يعتبرون أن “الله يقاتل مع هذه الأحزاب”. هذه الرؤية تنبع من الفكر الثوري الذي يعزّز فكرة التضحية والانتصار حتى في ظل الهزيمة العسكرية الظاهرة. كما أن هذه الأطراف تعتمد في معظم الأحيان على قراءة أيديولوجية لا ترتبط بالواقع السياسي المباشر، بل تستند إلى موروثات تاريخية وأسطورية تجسد التفاعل بين السياسة والدين.

التاريخ العسكري للأحزاب العسكرية

لقد تأثّرت الأحزاب التسلطية في الشرق الأوسط بشكل كبير بالموروث السوفيتي في التعامل مع الهزائم. فالقيادات العسكرية التي تلقت تدريباتها في الاتحاد السوفياتي كانت تركز على فكرة الانسحاب التكتيكي وإعادة التموضع بدلاً من الاعتراف بالهزيمة المباشرة. ومن خلال هذا المنظور، كان يُنظر إلى “الخسارة” أو “التراجع” في ساحة المعركة كجزء من خطة أوسع تهدف إلى تصعيد الهجوم لاحقًا. هذه العقلية العسكرية، التي تقوم على تكرار الهجوم وتعديل الاستراتيجية بناءً على المتغيرات، قد تكون فعّالة في بعض الظروف، لكنها أيضًا قد تؤدي إلى تجديد الصراعات بدلاً من الوصول إلى تسوية أو حلول دائمة.

الممارسة الإيرانية في “التموضع”

إيران وحلفاؤها في المنطقة، وخاصة المليشيات المدعومة من طهران، يتبعون هذه الاستراتيجية المدمجة بين التوجهات العسكرية والدينية. وفي نظرهم، أي هزيمة أو تراجع قد يكون مجرد مرحلة مؤقتة ضمن عملية أطول تحقق الهدف النهائي. فمنذ قيام الثورة الإسلامية في 1979، وإيران تُروّج لفكرة أن صراعها مع القوى الكبرى والإقليمية هو جزء من معركة مقدّسة تسعى من خلالها إلى نشر “الحق” وإقامة “العدالة”. هذه الرؤية تمنح القادة الإيرانيين القوة النفسية للتعامل مع الهزائم أو النكسات العسكرية على أنها مجرد محطات في مسار طويل.

النظرية الشرقية في الصراع

مفهوم “إعادة التموضع” أو “الانسحاب التكتيكي” ليس جديدًا في المنطقة، بل هو راسخ في فكر معظم الحركات الثورية في الشرق الأوسط. ويعكس هذا التوجه الثقافي والعسكري اعتمادًا على التكتيك بدلاً من الاستراتيجية الشاملة، إذ يُنظر إلى الخسارة المؤقتة في معركة واحدة على أنها قد تؤدي إلى الانتصار في المعركة الكبرى. ويتم تعزيز هذا الفكر من خلال إيديولوجيا دينية أو مذهبية تُضفي شرعية على هذا التوجه، وتعتبر أن الصراع طويل الأمد يصبّ في صالح “المؤمنين” و”الحق” الذي يسعون لتحقيقه.

إيران وحلفاؤها في المنطقة يعيشون حالة من الاستمرارية في الصراع، حيث يتم تقديم الهزيمة العسكرية على أنها جزء من عملية أيديولوجية أوسع تهدف إلى تحقيق نصر استراتيجي على المدى الطويل. وهذا قد يعمّق الأزمة الإقليمية ويطيل أمد الصراعات، حيث تظل الأطراف المتنازعة متمسكة بمواقفها السياسية والعقائدية التي لا تعترف بالهزائم وتعتبرها مجرد محطات في طريق الوصول إلى النصر النهائي.

شارك المقال