يعيش الشرق اليوم في ظل مفهوم الهجرة، سواء كانت شرعية أو غير شرعية، حيث يسعى العديد من الناس إلى تغيير حياتهم والانتقال إلى مكان أفضل من بلادهم، بحثًا عن ضمانات اجتماعية ومالية، بالإضافة إلى الاطمئنان إلى الحصول على جنسية أو مركز عمل يساعدهم على تأمين مستقبل أبنائهم، وذلك في ظل الحرمان الذي عاشوه في أوطانهم. إن الحلم الذي يراود الكثيرين هو الخروج من البلد والبحث عن بلد أفضل.
ويحاول ابن خلدون في هذا السياق أن يوضح مفهوم دورة الحياة الاجتماعية التي تحدث عنها في نظريته عن دورات الحضارات، حيث تهاجر الشعوب وتستقر في أماكن جديدة، فتفقد “عصبية” البداوة وتكتسب “ترف” الحضر، مما يغير قيمها وهياكلها الاجتماعية. ويمكننا فهم هذا على أنه مشابه لتحول المجتمعات بفعل الهجرة.
لا شك أن الآليات المتبعة في دول العالم الفقيرة هي التي تدفع الناس إلى الهجرة وتغيير أماكن سكنهم بحثًا عن الأفضل. وهنا يشدد عالم الاجتماع دوركهايم على مفهوم التضامن الاجتماعي، حيث ينظر إلى التغيرات الاجتماعية عبر مراحل، وكيف أن الهجرة قد تساهم في تفكك الروابط التقليدية، لكنها قد تخلق أيضًا أشكالًا جديدة من التضامن في المجتمعات الحديثة.
وفي ظل هذه المشاكل الكثيرة التي تواجه اللاجئين في عبورهم للوصول إلى بر الأمان، فإن العديد منهم قد يواجهون تحديات خطيرة. فمنهم من يضطر إلى الركوب عبر طرق غير قانونية وتحمل مخاطر كبيرة، مثل السفر بالطائرات إذا كان يملك القدرة المالية، أو ركوب البحر والتعرض للخطر، أو عبور المشقات، أو الوقوع في يد عصابات تجارة البشر والاستغلال، أو مافيات الممنوعات. وفي هذا السياق، يقول البابا فرنسيس في تصريح له أمام هذه المعضلة: “إن المهاجرين واللاجئين ليسوا بيادق على رقعة شطرنج الإنسانية… إنهم أطفال ونساء ورجال يغادرون أو يُجبرون على مغادرة ديارهم لأسباب مختلفة، ويشتركون في رغبة مشروعة في المعرفة والامتلاك، ولكن قبل كل شيء في أن يكونوا أكثر.”
ما يلفت النظر في الوقت الحالي هو التغير الذي طرأ على مفاهيم الهجرة التي كانت معروفة عبر العصور، فقد تغيرت هذه المفاهيم بشكل جذري. أصبح حلم الهجرة ليس حلمًا فرديًا فقط، بل تحول إلى طموح عائلي، حيث يسعى الأب والأم والأبناء معًا إلى الهجرة، سواء كانت شرعية أو غير شرعية. هذا التحول يختلف عن الماضي، حيث كانت الهجرة مسألة فردية فقط. في الوقت الحالي باتت العائلات تضحي بكل ما تملك من ميراث في الوطن، وتخاطر بحياتها بحثًا عن فرص جديدة، رغم المخاطر التي قد يتعرضون لها، مثل الموت أو الضياع.
تقوم الدول اليوم بممارسة الهجرة الانتقائية، حيث تسعى إلى استقطاب العمالة الماهرة والنخب المتعلمة بهدف حل مشاكل العمل والديموغرافيا. وهذا يختلف تمامًا عن الهجرة غير القانونية. وهنا يشير علماء الاجتماع إلى عملية التفاعلية الرمزية في علم اجتماع الهجرة، حيث يركزون على كيفية بناء “الآخر” للمهاجر. كيف تؤدي “الوصمة” (مثل وصمة المكسيكيين أو المسلمين) إلى تدهور مكانة المهاجرين وتصرفاتهم بناءً على هذه الوصمة، مما يعزز التمييز ويشكل تحولًا اجتماعيًا.
وفي الواقع، يواجه معظم المهاجرين صعوبة في التكيف مع الحياة الجديدة، حيث تبدأ لديهم مشاكل عديدة تتعلق بالعادات واللغة والعمل والتربية والدين والحياة الاجتماعية. حتى في حال جني المال، فإن العديد منهم يعتمدون على المساعدات الاجتماعية، وهو ما قد يسبب مشاكل إضافية ويؤدي إلى انهيار اجتماعي ونفسي، مما يعرضهم للمخاطر والأزمات.
في الختام، تظل الهجرة ظاهرة اجتماعية معقدة تشهد تحولات متزايدة في مفاهيمها وأسبابها. إذا كان الهدف الأساسي لها في الماضي هو تحسين وضع الفرد، فإنها اليوم أصبحت مسألة عائلية جماعية، تتطلب تضحيات كبيرة من الأفراد. ومع البحث عن فرص أفضل، يواجه المهاجرون تحديات متعددة تتعلق بالاندماج في بيئة جديدة، فضلًا عن التمييز والعزلة الاجتماعية.
إن الدول التي تستقطب المهاجرين تعمل على تحقيق مصالح اقتصادية من خلال استقطاب الكفاءات، لكن هذا لا يمنع من أن المهاجرين يظلون يواجهون صعوبات في تأمين مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية. ولذلك تبقى الحاجة إلى إيجاد حلول دائمة تضمن حقوق المهاجرين وتساعدهم في التكيف والاندماج بشكل طبيعي في مجتمعاتهم الجديدة.
وفي النهاية، تظل الهجرة رحلة مليئة بالتحديات، لكنها تفتح أيضًا أبوابًا جديدة للفرص والأمل، حيث يبقى البحث عن حياة أفضل دافعًا أساسيًا لهذه الظاهرة.


