طرابلس تفرح بإسقاط النّظام السوري… ماذا عن جبل محسن؟

إسراء ديب

لم يُجمع الطرابلسيّون يوماً على قرار أو موقف، بقدر ما يُجمعون على حقدهم على النّظام الأسديّ الذي “ذهب بلا رجعة”، بحيث احتفل الآلاف منهم بسقوط الرئيس السابق بشار الأسد ونظام والده الذي استمرّ لأكثر من 50 عاماً، على يد المعارضة التي عادت “لتُزلزل” الواقع السوريّ المرير والذي ما زال مجهولاً حتّى اللحظة، وسط الكثير من التكهّنات التي يُطلقها المحلّلون التاريخيون والاستراتيجيّون حول مصير الدّولة السورية الجديدة.

المرحلة السورية التي سيتأثر بها لبنان وطرابلس حكماً، لا يخشى منها الطرابلسيّون الذين فقدوا أعزاء عليهم خلال فترة حكم حافظ الأسد، إمّا بالقتل، الحصار والتعذيب الذي بدأ منذ العام 1983 وارتبط بمجزرة مروّعة وقعت في باب التبانة في العام 1986، بعد دخول القوّات السورية وغيرها إلى المنطقة لتدمير شوارعها، بيوتها وحتّى مساجدها، ولذبح أبنائها ورميهم من الشرفات وترك جثثهم التي خُيّل للذين نجوا من القتل (وهم قلّة)، أنّها أكياس جزر مرمية عند سوق الخضار القديم، وذلك في ليلة تنشقّوا فيها رائحة الموت، الدمّ، والمطر الذي هطل على الجثث التي كان الموت “خيراً” لها، عوضاً عن نفيها إلى السجون السورية التي تكشف اليوم ما أخفته السلطات السورية وحتّى اللبنانية منها لأعوام، ليموت الطرابلسيّ فيها لأكثر من 40 عاماً يومياً بلا رحمة.

الاحتفالات التي عمّت طرابلس، تواصلت لأكثر من 24 ساعة، فقبيْل إعلان إسقاط النّظام، شعر الطرابلسيون بنهايته قريباً، فبدأوا بإطلاق الرصاص، القنابل، المفرقعات النّارية، قرع الطبول، إطلاق المساجد والمبتهجين التكبيرات علناً، وغيرها من المظاهر التي رافقتها هتافات لم يُطلقها الطرابلسيّ وحده، بل شارك السوريّون فيها أيضاً، بأطفالهم، نسائهم ورجالهم على الطرقات عبر مسيرات وصلت إلى منطقة القلمون الشمالية، وذلك وسط غياب شبه تام للعناصر الأمنية وأجهزتها التي لم تتدخل فعلياً إلّا في أولى ساعات مساء الأحد، حين بدأت بمداهمة الأماكن التي أُطلقت منها النّار في المدينة. من هنا، يؤكّد مصدر أمنيّ لـ “لبنان الكبير” أنّ المداهمات ستستمرّ والأجهزة ستُلقي القبض على مطلقي النّار الذين تعرفهم جيّداً لإنزال العقوبات الشديدة بهم، لكنّها لم تكن ترغب في إثارة المواجهات بينها وبين الشباب المتحمّس، “ونحن نسيّر دوريات وسندقّق بالهويات خلال هذه الفترة لضبط الأمن”.

المظاهر الاحتفالية التي استفزّت حتّى الطرابلسيين المعارضين للنظام لتسبّبها في خسائر مادّية وإصابات تُؤذي المواطنين (كإصابة طالت رقبة أحد المواطنين)، وممتلكاتهم، كزجاج المنازل، السيارات وألواح الطاقة الشمسية، دفعت متابعيها الذين كانوا يخشون الوقوف عند نافذة منازلهم، إلى مطالبة الدّولة بالتدخل والضرب بيدّ من حديد “للحدّ من هذه الكارثة التي لم تعد مرتبطة إلّا بالزعرنة التي يُغطّيها الساسة”.

ومن طرابلس إلى عكّار، يتكرّر المشهد الاحتفاليّ عينه، لكنّ الفرحة التي عمّت على المعابر، ومنها معبر العريضة الحدودي، تحوّلت إلى فوضى، بحيث يُؤكّد مصدر أنّ المعبر سجّل “دخول وخروج من يشاء وكيفما يشاء إلى سوريا، خصوصاً بعد هروب عناصر الجيش السوري وخلو قسمهم من أيّ وجود عسكريّ، فسيطرت حالة من الهرج والمرج على المعابر الحدودية الشرعية، حيث حُرقت الأوراق والأمانات، وتمّ تكسير وسرقة محتويات المراكز السورية، ليتمّ بعدها تعزيز وجود الجيش اللبناني الذي حدّ من الفوضى”.

جبل محسن

أمّا أبناء جبل محسن وحتّى أبناء الطائفة العلوية في عكّار، فيترقّبون هذا الملف ويلتزمون الصمت التام، في وقتٍ قام فيه الجبل بإزالة صور الأسد أو العلم السوريّ من طرقاته، ويقول المختار عبد اللطيف صالح لـ “لبنان الكبير”: “نرى وضعاً جديداً يحلّ على سوريا ونتمنّى أن يكون إيجابياً وخيراً على السوريين، لكنّ العلويين في طرابلس والعقلاء منهم وهم كثر، ينتمون إلى دولتهم اللبنانية وهم تحت سقف قانونها فقطـ، ونحن نتابع ونرى ما يحدث، ولن نأخذ مدينتنا إلّا إلى برّ الأمان، لأنّنا جميعاً نستحقّ العيش بسلام واستقرار لننسج أفضل علاقاتنا مع محطينا بمحبّة لا تستفزّ أحداً ولا نشعر بالاستفزاز منها لأنّها لم تُوجّه ضدّنا أساساً”. وإذْ يُؤكّد أنّ محبّة الجبل لطرابلس تفوق أيّة حسابات، يكشف عن حركة تصحيحية جديدة ستضمّ العقلاء من الجبل “تعقد لقاءات وتُحضّر لمرحلة جديدة وقد تُؤسّس لمرشح علويّ في الانتخابات القادمة”.

إنّ معظم أهالي جبل محسن قرّر اليوم التأقلم مع واقع السياسة الجديد والمخطّط الذي يُنفذ في المنطقة بحكمة وانفتاح، بغضّ النّظر عن محبّته التي لم تتغيّر للأسد، وذلك وسط غياب تامّ لحزبيّ “البعث” و”العربي الديموقراطي” اللذين “سقطا بسقوط الأسد”، وفق مصدر سياسيّ شماليّ يقول لـ “لبنان الكبير”: “العلويون في لبنان، لا يُريدون خسارة محيطهم، ويشعرون أساساً لدى متابعتهم فيديوهات السجون، بالاشمئزاز حرفياً لا من الأسد، بل من ضباطه ومن كان تحت إمرته، وهم منفتحون على الحلول لا سيما في جبل محسن، حيث تتواصل معهم كوادر المدينة الدينية منها والشعبية وخصوصاً من باب التبانة”.

شارك المقال