قبل اندلاع “حرب الإسناد” في تشرين الأول 2023، والتي استمرت حتى تشرين الثاني 2024، كان لبنان يعيش خيبة أمل من نتائج الحفريات الأولية عن الغاز في البلوكين 4 و9، والتي خاض من أجلها مفاوضات شاقة لأكثر من 10 سنوات. وانقسمت آراء خبراء النفط بين من اعتبر أن إسرائيل سرقت الغاز اللبناني منذ سنوات، وبين من قال إن الاستكشافات السلبية الأولية لا تعني بالضرورة عدم وجود غاز، بحيث إن اكتشاف بئر تجارية يستلزم أحياناً حفر آبار عدة.
بعد إعلان وقف إطلاق النار، أعاد لبنان تحريك المياه الراكدة في ملف الغاز، حين أقدم وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال وليد فياض على منح رخصة استطلاعٍ غير حصرية لشركة TGS العالمية المتخصّصة في المسوحات الجيوفيزيائية، للقيام بمسحٍ زلزالي ثلاثي الأبعاد لمساحة تبلغ حوالي 1300 كيلومتر مربع في البلوك رقم 8. وتأمل وزارة الطاقة أن تكون نتائج المسوحات إيجابية، كي تتمكن من جذب شركات التنقيب عن النفط نحو البلوك 8 بعد النتائج السلبية في البلوكين 4 و9.
وقالت مصادر سياسية مطلعة لموقع “لبنان الكبير”: “على الرغم من خطوات وزارة الطاقة، فإن الملف النفطي لم يعد على طاولات البحث مع الدول المعنية بالشأن اللبناني. ففي الظروف الحالية، يعتبر فتح الملف خطراً كونه تجاوز فكرة مخزون نفطي في مكان معين، وأصبح في إطار سياسات إقليمية ودولية معقدة. وعلى الأرجح، لن يتم تفعيله جدياً إلا بعد انتخاب رئيس جمهورية وتشكيل حكومة أصيلة، يمكن للبنان من خلالها حجز مكان لنفسه على طاولات المفاوضات الدولية”.
المهندس نادر صفا، عدّد في حديث لـ “لبنان الكبير”، عناوين المرحلة المقبلة المتعلقة بالغاز اللبناني، وهي: أمن الطاقة العالمي، غاز “غزة مارين” (الحقول قبالة قطاع غزة)، وغاز لبنان وغاز سوريا، بالاضافة إلى الإمدادات من منطقة الشرق الأوسط لتأمين مصادر الطاقة إلى أوروبا، وفرض الاستقرار السياسي في منطقة الشرق الأوسط بسبب أهميتها وتأثيرها المباشر على الاقليم والعالم.
على وقع آخر التطورات، لا سيما سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، بدأت الحركة باتجاه مشاريع الطاقة في المنطقة، وأحد أهمها هو خط أنابيب قطر-تركيا، الذي من المفترض أن ينقل الغاز الطبيعي من حقل غاز الشمال في قطر إلى محطات التوزيع التركية، ومنها إلى دول مختلفة في الاتحاد الأوروبي مثل ألمانيا، إسبانيا، إيطاليا، بولندا والنمسا، علماً أن الخط يمر عبر السعودية، الأردن وسوريا. وقد عرقل النظام السوري السابق هذا المشروع من أجل مصالح روسيا، التي رأت في المشروع تهديداً لهيمنتها على سوق الطاقة في أوروبا.
في 9 كانون الأول الجاري، أي غداة سقوط الأسد، خرج وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار، ليتحدث عن إمكان إعادة إحياء المشروع. ولاحقاً، نشرت وكالة الأنباء التركية الرسمية “الأناضول” تقريراً بعنوان “مشروع نقل الغاز القطري عبر تركيا يعود إلى الواجهة”، ذكرت فيه باحثة تركية أنه “بعد تأسيس نظام مستقر في سوريا عقب إطاحة الأسد، يمكن القول إن المشروع لن يواجه عقبات سياسية في المنطقة إذا استمر الوضع الراهن”.
إسرائيل لم تنتظر كثيراً أيضاً؛ إذ أعلنت وزارة البيئة والطاقة اليونانية، بالأمس، أن اليونان وإسرائيل وقعتا اتفاقاً لتعزيز استقرار الطاقة ودعم مشروعات الطاقة الجديدة في شرق البحر المتوسط والاتحاد الأوروبي.
وقال وزير الطاقة اليوناني، ثيودوروس سكيلاكاكيس، في بيان: “إنشاء ممر (صديق للبيئة) لنقل الكهرباء من إسرائيل إلى الاتحاد الأوروبي عبر اليونان سيكون مشروعاً ذا أهمية استراتيجية لمنطقة شرق البحر المتوسط”.
يبدو أن ملف الطاقة في الشرق الأوسط سيشهد تحولات جذرية مع ضعف إيران وسقوط نظام الأسد، بحيث من المتوقع أن تتراجع الهيمنة التقليدية لمحور إيران وسوريا لصالح دول الخليج وشرق المتوسط.
كما أن التدافع الاقليمي والدولي لإعادة رسم خريطة الطاقة في المنطقة سيزيد من أهمية الدور الجيوسياسي لتركيا ودول الخليج، مع احتمال دخول لاعبين جدد مثل أوروبا والصين بشكل أكثر تأثيراً.
إلا أن الأمور قد لا تكون سلسة؛ إذ قد تشهد المنطقة صراعات جديدة على موارد الطاقة أو البنية التحتية لها، خصوصاً إذا حاولت قوى أخرى مثل تركيا أو روسيا ملء الفراغ، علماً أن إعادة إعمار سوريا، في حال حدوثها، قد تتطلب تمويلاً دولياً كبيراً، ما قد يتيح للدول الغربية والجهات الفاعلة الجديدة فرصة السيطرة على ملفات الطاقة السورية.
ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لا يمكن حتى الآن حصر السيناريوهات لمستقبل المنطقة. وبدأت تصدر إشارات من واشنطن تتخوف من سعي إيران الى تطوير السلاح النووي، في محاولة لاستعادة بعض التوازن الذي خسرته مع تعرض محورها في لبنان للضعف وسقوط حليفها بشار الأسد. كما أعلنت إيران صراحةً أنها لم تعد تمتلك نفوذاً في سوريا. في المقابل، لم يستبعد ترامب شن حرب على إيران، معتبراً أن الوضع متقلب، وأن أي شيء يمكن أن يحدث.


