كل سنة تجري وسائل الاعلام جردة حساب لأحداث العام في العالم، ومن ضمنها لبنان، الذي احتلت أحداثه هذه السنة الصحف العالمية.
“حرب الإسناد” قلبت المعادلات وغيرت التوازنات. بدأها “حزب الله” لمساندة غزة ومحاولة فرض وقف الحرب عليها، وشملت في البداية استهداف أجهزة رصد ورادارات ومنصات صواريخ من الحزب. ردّت عليها إسرائيل بعمليات قصف مركزة على الشريط الحدودي، كان عنوانها الأبرز الاغتيالات، بحيث صفّت عشرات العناصر والقيادات الميدانية من الحزب.
ثم توالت الأحداث وبدأ التصعيد يتزايد شيئاً فشيئاً، من استهدافات أبعد من قواعد الاشتباك الأولى، حتى الوصول إلى إحدى أعقد العمليات المخابراتية في التاريخ: تفجيرات أجهزة “البايجر” و”الووكي تووكي”، إلى اغتيال الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله ومعظم قيادات الصف الأول في الحزب. ومن بعدها جاءت العملية البرية، التي وصلت فيها الاشتباكات حتى بلدة شمع على مشارف صور، قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
حرب غير مسبوقة بأبعادها ونتائجها، شبّهها العديد باجتياح عام 1982، الذي تسبب في إبعاد منظمة التحرير الفلسطينية عن لبنان وسقوط منظومة النفوذ في ذلك الحين.
وقد تبِع انتهاء الحرب مباشرة سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، الذي كان ركيزة أساسية في المحور الذي تدعمه طهران، ما أدى عملياً إلى تفكيك هذا المحور وقطع طرق إمداداته.
ولا تزال تداعيات الحرب مستمرة بعد أكثر من شهر على دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، بحيث لا تزال عشرات القرى الحدودية تحت السيطرة الاسرائيلية، يعيث جيشها فيها خراباً ودماراً، بينما ينتظر أهلها تنفيذ الاتفاق ليعودوا إلى أراضيهم ومنازلهم.
أصدر البنك الدولي تقريراً تقديرياً منتصف تشرين الثاني الماضي عن الأضرار المادية والخسائر الاقتصادية الأولية التي مني بها لبنان جراء عدوان إسرائيل، مشيراً إلى أن الخسائر تُقدّر بنحو 8.5 مليارات دولار، من ضمنها 100 ألف وحدة سكنية دُمّرت بالكامل أو جزئياً. إلا أن من المتوقع أن تكون التكاليف أكبر من ذلك، لا سيما أن قرى الشريط الحدودي لم تُمسح بصورة دقيقة بعد.
التحديات تكون العنوان الأبرز بعد الحروب، ولعل لبنان يعاني أكثر من غيره في هذا المجال، بحيث هناك تحدٍ أساسي متعلق بفرض تنفيذ الاتفاق على إسرائيل، والتحدي الثاني بسط سيادة الدولة على كل الأراضي، بما يمنع وجود قوى مسلحة غير الجيش اللبناني لضبط الحدود. وإذا كان “حزب الله” قد عوّد بيئته الحاضنة على “إذا ضربوا منضرب”، فسيكون اعتيادها على الواقع الجديد المتمثل بـ “إذا ضربوا… اللجنة تعمل على الموضوع” أمراً ليس سهلاً، مع بيئة تعوّدت قوة معينة تعتبرها الحامية، بل فائض من هذه القوة التي كانت تهدد عمق الأراضي المحتلة.
بالاضافة إلى ذلك، هناك تحدي إعادة إعمار ما دمرته الحرب، والذي لم تبدأ خطواته الأولى بعد، بحيث ينتظر إعادة انتظام الدولة اللبنانية، المتمثلة في إعادة إنتاج النظام، من رئاسة الجمهورية وتشكيل حكومة جديدة.
ومع سقوط نظام الأسد، سيشكل بناء علاقات مع سوريا الجديدة تحدياً أيضاً، لا سيما أن لبنان كان منقسماً بين جهات سياسية تؤيد النظام وأخرى تعارضه.
والأهم من كل ذلك هو إعادة الثقة بالمؤسسات والمرافق اللبنانية، التي كانت تتعرض لحملات بأنها تحت سيطرة “حزب الله” يمرر عبرها سلاحه وتمويله، وإعادة وضعها على الخريطة الاقليمية والدولية.


