مجلس النواب القائم حالياً يُعتبر من أكثر المجالس غير المتوازنة في تاريخ لبنان، فلطالما كان العدد داخل المجلس يميل لصالح “المعارضة” أو “الموالاة”، مع تغير أدوار القوى السياسية، في حين كانت مسألة النصاب (86 نائباً) تتطلب دائماً توافقاً بين الطرفين.
على سبيل المثال، كان مجلس 2005 لمصلحة قوى 14 آذار في حينه، بينما كان الثنائي الشيعي وحلفاؤه يشكلون المعارضة، والأمر نفسه تكرر مع مجلس 2009. في المقابل، كانت الأكثرية في مجلس 2018 لصالح الثنائي الشيعي وحلفائه، بينما أصبحت قوى 14 آذار القديمة في موقع المعارضة. ومع ذلك، لم يتمكن أي من الطرفين يوماً من امتلاك أكثرية الثلثين التي تسمح بالحكم المطلق، ما اضطر القوى السياسية إلى التوافق في الاستحقاقات الكبرى، خصوصاً رئاسة الجمهورية.
أما مجلس 2022، فلم يمنح الموالاة أو المعارضة أكثرية حاسمة. التباعد بين “التيار الوطني الحر” و”حزب الله” تسبب في خسارة الثنائي الشيعي عدد النواب الذين كان يملكهم التيار (18 نائباً قبل الانشقاقات الداخلية)، ما جعل الثنائي في أحسن الأحوال يمتلك 50 نائباً مع حلفائه. أما المعارضة، التي تشكل نواتها 31 نائباً، فقد تصل إلى 45 نائباً مع المستقلين القريبين منها، ما أدى إلى نقص يتراوح بين 15 و25 نائباً لدى كل فريق لتحقيق الأكثرية.
هذا النقص جعل “التيار الوطني الحر”، الحزب “التقدمي الاشتراكي”، تكتل “الاعتدال الوطني” وبعض المستقلين، في موقع مفتاحي. ومنذ الانتخابات النيابية، حاولت الموالاة والمعارضة جذب أصوات هؤلاء لتمرير الاستحقاقات. يُذكر أن الرئيس ميشال عون عطل تشكيل الحكومة قبل نهاية عهده، ما حال دون وصولها إلى مجلس النواب.
وصاية خارجية تتجاوز التوازنات
اليوم، يبدو أن التكتلات النيابية لم تعد مهمة، بحيث أصبح لبنان تحت وصاية دولية – عربية بعد نهاية حرب “الإسناد” ونتائجها. باتت الكلمة الأساسية للخارج مع هامش مناورة صغير للقوى الداخلية.
وقد أصبح قائد الجيش جوزاف عون رئيساً للجمهورية، وكُلف القاضي نواف سلام برئاسة الحكومة. تعددت الروايات حول عملية التكليف؛ إذ يرى الثنائي الشيعي أنه تعرض لخديعة بعد اتفاق مع القوى الدولية لتسمية الرئيس نجيب ميقاتي، بينما تشير روايات أخرى إلى أن الخارج لم يعترض على أي من الاسمين المطروحين، وأن الحسابات الداخلية أفضت إلى تكليف القاضي سلام، بناءً على رؤية تفيد بعدم إمكان التغيير باستخدام الأدوات القديمة.
سيادة أم وصاية؟
بغض النظر عن الروايات، فإن لبنان بات تحت تأثير القرار الخارجي. التوازنات التي كانت تُراعى في الاستحقاقات أصبحت تفصيلاً، إذ إن الخطة باتت إدارة لبنان بما يتماشى مع الرؤية الدولية، وعلى القوى السياسية التكيف مع هذا الواقع بدلاً من معارضته.
الحديث عن ضرب السيادة في هذا السياق ليس منطقياً، فلبنان يفتقر إلى مقومات الصمود كبلد مستقل بالكامل، ويحتاج إلى تعاون خارجي، خصوصاً مع الدول العربية. إذا كان هذا التعاون يُعتبر وصاية، فإن التدخلات الأخرى، مثل دعم إيران لـ”حزب الله” أو دور الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين، يمكن أن تصنّف ضمن الاطار نفسه.
لا يجب أن ينسى اللبنانيون أن اتفاق الطائف تم برعاية عربية، وكذلك اتفاق الدوحة. إذا كانت هذه الوساطات تُعتبر وصاية، فلماذا يُرفض اليوم التدخل الخارجي إذا كان إيجابياً ويصب في مصلحة البلد؟
عودة إلى العرب ومصلحة الشعب
عانى لبنان كثيراً من ابتعاده عن محيطه العربي، ويبدو اليوم أن هناك عودة متبادلة بين لبنان والعرب. في ظل فشل القوى السياسية على مختلف المستويات، قد يكون هذا التقارب فرصة لتحقيق مصلحة الشعب اللبناني.
على الصعيد الداخلي، انشغل لبنان خلال الفترة الماضية بالصراعات السياسية والعسكرية، ما أدى إلى تفاقم أزماته الاقتصادية والاجتماعية. الأولوية اليوم ليست لتوازنات داخلية لا تنعكس إيجاباً على حياة الناس، بل لإعادة الإعمار الشامل، سواء ما دمرته الحرب أو ما أفسدته القوى السياسية.
لبنان بحاجة إلى نهضة شاملة في السياسة، الادارة، الاقتصاد والبنية التحتية. بعبارة أخرى، هو بحاجة إلى دولة حقيقية بدلاً من توازنات هشة قد تنهار في أي لحظة.


