لم تنسَ طرابلس يوماً التزامها وإيمانها بالقضية الفلسطينية على الرّغم من كلّ الظروف “المقيتة” التي واجهتها المدينة من جهة، وانفراد بعض الفئات في لبنان بالدّفاع عن القضية “المقدّسة والمحقّة” من جهةٍ ثانية. فهذه المدينة “المقاوِمة بامتياز” التي واكبت الرحلة الفلسطينية في الشتات والإبادة، أيّ منذ أربعينيات القرن الماضي وصولاً إلى يومنا هذا، تعيش اليوم فرحة كبيرة مع دخول اتفاق وقف إطلاق النّار حيّز التنفيذ منذ الأحد، واعتبر الأهالي أنّها لحظات “مفصلية”، حقنت دماء الغزّاويين الذين عانوا لأكثر من عام حرب إبادة شهدت عليها دول العالم أجمع.
مصادر طرابلسيّة تتحدّث عبر “لبنان الكبير”، عن الأهمية التي أوّلتها المدينة للقضية الفلسطينية، “بحيث قدّمت منذ بدء عملية طوفان الأقصى دعماً مالياً وصل إلى أهالي غزّة، ثمّ قامت بدعمها معنوياً، أمّا تاريخياً، ولمن لا يعرف طرابلس جيّداً، فلا يُدرك فعلياً أنّ المقاومة المركزية كانت أُطلقت من المدينة في العام 1947، مع المجاهد فوزي القاوقجي (الذي ذُكرت سيرته ضمن الوثائق البريطانية)، بعدما أسندت جامعة الدّول العربية إليه قيادة جيش الإنقاذ، بحيث خاض معارك ضدّ الانكليز والصهاينة، فقدّمت المدينة شهداء في سبيل إنقاذ فلسطين الذي اتضح أيضاً خلال الحرب الأهلية ضدّ الرّدع السوريّ، واليوم وفي ظلّ التغيّرات والتخبّطات التي تشمل تطوّر الأسلحة الفتاكة والمدعومة من الغرب وأوروبا، تُقدّم المدينة إمكاناتها وتصبّ تفكيرها في سبيل القضية وتعليم الأجيال القادمة عنها، وذلك على الرّغم من انقسام الرأيّ العام فيها اليوم إلى قسميْن، الأوّل يرى أنّ ما حدث يُعدّ انتصاراً، والآخر يعتبره إنقاذاً لما تبقّى من غزّة، وفي الحالتيْن، تقف طرابلس إلى جانب الفلسطينيين”.
الاحتفالات التي جاءت على شكل مسيرات (سيراً على الأقدام أو عبر السيارات التي علّقت صوراً لقادة فلسطينيين، أبرزهم الزعيم “الحمساوي” يحيى السنوار)، توزيع حلوى، إطلاق مفرقعات نارية أو رصاص طائش يُشعل أجواء المدينة، لم تشمل بنطاقها طرابلس فحسب، بل امتدّت إلى عكّار والمنية- الضنية، حيث لا يخفى على أحد أنّ هذه المحافظات أو الأقضية الشمالية كانت قدّمت ثلّة من أبنائها شهداء وأسرى دعماً للقضية.
أمّا عن مخيميّ نهر البارد والبدّاوي، فاحتفلا بصخب كبير لفرح غزة، وذلك بخروج مسيرات فصائلية وجماهيرية، ووصلت الفرحة إلى حدّ إطلاق قذائف “آر بي جي” في سماء البدّاوي وإطلاق الرصاص الكثيف.
وعن مخيّم نهر البارد، يتحدّث مسؤول العلاقات الوطنية الفلسطينية في منطقة الشمال، فرحان عبدو عبر “لبنان الكبير”، عن فرحته بانتصار غزة، ويقول: “الأحد وأثناء الاعلان، خرج مخيّم البارد الى الشارع العام من التاسعة صباحاً إلى الخامسة مساءً، وجالت مسيرات في الشوارع وأُطلقت الأهازيج والأناشيد فرحاً بإخوتنا في غزة الذين لن نستغني عنهم أو ننساهم في حملتنا المستمرّة بمقاطعة المنتجات الأميركية أو الصهيونية وكلّ ما يدعم الاحتلال، ولن نعيد النّظر بهذه الخطة أساساً، لأنّ أهلنا في الضفة الغربية يُعانون أيضاً من العدو الذي يُمهّد للاستيلاء عليها واضطهادها”.
وفي ما يخصّ الهدنة، يرى عبدو أنّ “العدوان الإسرائيليّ بعد 471 يوماً، وبعد القتل، التجويع، التشريد والتدمير، لم يتوصّل إلى تحقيق هدف واحد من أهدافه، كالقضاء على حماس، تركيع الفلسطينيين، إعادة الأسرى بالقوّة… لذلك استقبل شعبنا هذا النّبأ بفرحة عارمة أثلجت صدره، لأنّه أوقف شلال الدّماء والهمجية التي لم نرَ لها مثيلاً في العالم، وأثبت أنّنا أصحاب حقّ وقدرتنا على الصمود حتّى آخر طفل فلسطينيّ أمام الآلة العسكرية الأميركية والدّعم الأوروبي للعدوان على مدينة مكتظة بالسكان وتصل مساحتها البسيطة إلى 360 كيلومتراً مربعاً، ونتمنّى أنْ نسمع قريباً خبر وقوف نتنياهو وزمرته أمام محكمة العدل الدّولية بعد ارتكابهم جرائم لا تُغتفر”.
وإلى مخيّم البدّاوي، حيث يُعبر عضو المكتب السياسي في “الجبهة الدّيموقراطية لتحرير فلسطين”، أركان بدر عن فرحة المخيّم بصمود غزة “الإعجازيّ”، بالقول: “منذ بدء المعركة، لم نتوقّف عن المسيرات وإطلاق كلّ أشكال التحرّكات الدّاعمة لشعبنا لأنّنا شعب واحد موحّد، وبالتأكيد هناك أشكال عبّرت عن الابتهاج فخرجت عن سياقها، وهي مرفوضة، والفصائل تعمل على الحدّ منها ومعالجتها، لكنّ الفرحة اليوم، تكمن في تحوّل غزّة إلى قارة خالفت المعادلات التي لم يُحقّق فيها العدو هدفاً واحداً، وخسر اقتصادياً، حتّى أنّه بات عاجزاً أمام 250 ألف نسمة أي أصغر منطقة انتصرت بحرب إرادة وقتالها الموت”. ويعتبر أنّ المعركة الآن “لا تقلّ صعوبة عمّا سبق، لأنّها مرتبطة بإعادة الاعمار وبناء المنظومة الصحية، التعليمية، ومراكز إيواء، وهذا يحتاج إلى دعمٍ عربيّ ودوليّ”.


