تشكيل الحكومة… بين ثوابت القوى الساسية ومطالب المجتمع الدولي

محمد شمس الدين
الحكومة

عادت الأمور إلى نقطة الصفر في ملف تشكيل الحكومة، وكررت القوى السياسية مشاهد التراشق والاتهام المتبادل نفسها قبل المرحلة الجديدة كأن شيئاً لم يتغير، بل ربما تكون المطالب أكثر من ذي قبل في الاستحقاق الحكومي هذه المرة، ولعل ذلك سببه أنها المرة الأولى التي يكون فيها رئيسا الجمهورية والحكومة من خارج القوى السياسية بصورة كاملة، وتجد الكتل نفسها بحاجة إلى تأمين ضمانات لها في العهد الجديد عبر الحكومة.

القوى التي كانت تشكل المعارضة تتهم الثنائي الشيعي بالتعطيل، بينما يقول الثنائي إنه يتفاوض بإيجابية مع الرئيس المكلف نواف سلام.

وقالت أوساط الثنائي: “في لبنان اليوم، يتجسد مشهدان متناقضان في الساحة السياسية، حيث يتبنى كل من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الوزراء المكلف نواف سلام مواقف قد تكون متباينة أو حتى متناقضة، ما يضع لبنان في حالة من التحديات والمراوحة في ظل الأزمات المستمرة”.

رئيس الجمهورية يتبنى مواقف ثابتة وأسلوب قيادة متميز. تصريحاته مشهود لها بالثبات، وتتسم عهوده بالوضوح والجدية، ويستند إلى خبرته القيادية التي لا يرقى إليها شك. هذا الرجل الذي لطالما تحمّل مسؤوليات كبيرة في ظل ظروف صعبة من أزمات وحروب ودمار، يقدم للبنان رؤية تلتزم بالقيم الوطنية الأساسية التي يتمناها الشعب اللبناني بعد سنوات من المعاناة. وإذا كانت هناك صورة للبنان التي يطمح إليها الشعب، فهي تلك التي يقدمها رئيس الجمهورية عبر خطاباته ووعوده التي تحافظ على السيادة والوحدة الوطنية.

في حين أن تشكيل حكومة تكنوقراط من دون وزراء حزبيين يبدو خياراً قد يُرضي البعض، إلا أن هذا الخيار ربما يحمل في طياته خطراً كبيراً على الأداء الحكومي، لا سيما في حال كانت هناك قوة خفية تتحكم في القرارات. فهل يستطيع الرئيس المكلف تشكيل حكومة من دون أن يخضع لهيمنة الأحزاب السياسية؟ وهل من الممكن أن تتجه الدولة اللبنانية نحو مرحلة من الانكشاف الأمني إذا لم يتم الاحتفاظ بالقوة العسكرية اللازمة لحماية البلاد، في ظل المخاطر الاسرائيلية المستمرة؟

تساؤلات عديدة تطرح نفسها: هل يرغب سلام في السير بحكومة غير ميثاقية؟ وهل يمكنه فعلاً تشكيل حكومة تحترم السيادة الوطنية وتدافع عن لبنان في مواجهة التهديدات المستمرة؟ وإذا تم التنازل عن الحق في الدفاع عن لبنان، فإن ذلك سيضعه في موقع ضعف أمام التهديدات الاسرائيلية. هل يمكن الوثوق بوعود إسرائيل التي لم تلتزم بأي من المواثيق الدولية؟ وهل يمكن لشعب لبنان أن يقبل بحكومة تقوّض القدرات الدفاعية اللبنانية، من دون وجود أي قوة أو رادع يحمي لبنان من المخاطر الحقيقية التي تهدد سيادته؟

إن ما يواجهه لبنان اليوم ليس مجرد صراع على تشكيل الحكومة، بل هو اختبار للثوابت الوطنية التي قام عليها هذا الوطن. فبينما يقف رئيس الجمهورية متمسكاً بالمبادئ التي تمثل وحدة لبنان وسيادته، نجد أن رئيس الحكومة المكلف يواجه تحديات جسيمة في ظل إملاءات خارجية قد تُهدد الاستقرار السياسي والأمني في البلاد. فهل سيتحقق التوازن بين هذه المواقف المتباينة أم أن لبنان سيظل عالقاً في دوامة الأزمات والمراوحة؟

في المقابل، هناك قراءة أخرى للوضع غير قراءة الثنائي، تقول إن القرار 1701 الذي هو أساس اتفاق وقف إطلاق النار يتضمن اتفاق الطائف الذي تتضمن الفقرة (ج) من البند الثالث فيه “اتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها، ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً، والعمل على تدعيم وجود قوات الطوارئ الدولية في الجنوب اللبناني لتأمين الانسحاب الإسرائيلي ولإتاحة الفرصة لعودة الأمن والاستقرار إلى منطقة الحدود”، وبالتالي لا داعي لتأكيد المؤكد في البيانات الوزارية ويمكن الاختصار بالالتزام بتطبيق الطائف، وبهذا لا تُعطى شرعية لأحد أن يحتكر قرار الحرب والسلم، ويتم التأكيد على تحرير الأرض بالاجراءات اللازمة، وهنا الدولة تحدد ما يلزم.

شارك المقال