تتبادل القوى السياسية الاتهامات بشأن تعطيل تشكيل الحكومة. المعارضة و”التيار الوطني الحر” يصرّحان بأن المشكلة تكمن في وزارة المالية، فيما يرى الثنائي الشيعي أن الأزمة ناتجة عن التنافس المسيحي على الحقائب الوزارية، خصوصاً أن هناك فريقاً يعتبر نفسه راعي العهد ومن حقه أن يحصل على حصة الأسد في الحكومة الجديدة.
وفي ظل هذا التراشق، يبدو أن الرئيس المكلّف نواف سلام يحاول تشكيل حكومة تنال ثقة المجتمع الدولي في المقام الأول، ويعمل بجد على تجنب الألغام السياسية الداخلية.
مصادر سياسية مطلعة على أجواء تشكيل الحكومة أشارت لموقع “لبنان الكبير” الى أنه، على الرغم من التصعيد الكلامي ضد الثنائي الشيعي من بعض القوى السياسية، فإن هذه القوى تدفع ضمناً باتجاه التفاوض بين الثنائي والرئيس المكلف، بهدف تثبيت مبدأ الـ 6 و6 مكرر، وبالتالي تحصل هذه القوى على حصتها.
ورأت المصادر أن جميع القوى السياسية تقرأ في كتاب واحد. فقد لمح رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع في مقابلة تلفزيونية إلى قبوله بمنح الثنائي حصته، معتبرة أن المشكلة الحقيقية تكمن في المجلس النيابي وتوازناته؛ فالثنائي الشيعي يمتلك كتلة من 30 نائباً، ومن حقه أن يتمثل في الحكومة وفق المعايير الحكومية عرفاً. إلا أن الاشكالية الأبرز تكمن في احتكار الثنائي للنواب الشيعة. وحتى إذا تم تشكيل الحكومة من دون إسناد وزارة المالية للشيعة، فإن العرف يمنحهم وزارة سيادية من الوزارات الأربع: المالية، الدفاع، الخارجية والداخلية.
وزارة الداخلية لا يمكن أن تكون من نصيب الثنائي لاعتبارات سنّية، ووزارة الدفاع تُستبعد لأن ارتباطها بالجيش اللبناني يجعلها حساسة نظراً الى دعم الجيش وتمويله من واشنطن. أما وزارة الخارجية، فهي أيضاً إشكالية بسبب التوجه العام للبنان نحو الحياد في هذه المرحلة، فهل يُعقل أن يتحدث وزير الخارجية بنهج المقاومة، بينما الموقف الرسمي للبنان هو الحياد؟ بالاضافة إلى ذلك، هناك احتمالية اعتراض دولي على إسناد الخارجية للثنائي، نظراً الى الإمكانات الكبيرة التي تتيحها الوزارة في الالتفاف على الحصار المفروض على “حزب الله” وإيصال الدعم الايراني له.
وسط هذه الأجواء، رأى بعض المراقبين أن معالجة المجتمع الدولي للملف اللبناني تتم بطريقة خاطئة، فالتغيير لا يبدأ من قمة الهرم، بل من قاعدته. يجب العمل على كسر احتكار الثنائي النيابي للتمثيل الشيعي، بل يجب خرق كل التكتلات الحزبية التقليدية لتشكيل نواة قادرة على إحداث تغيير حقيقي. وعندها، تسقط الشعارات التي ترفعها القوى السياسية، ما يتيح تمثيل الجميع من دون احتكار طائفي أو مناطقي.
لا شك في أن مهمة الرئيس المكلّف شديدة الصعوبة، فقد تسلم المسؤولية في مرحلة غير مسبوقة من تاريخ البلد. الخيارات المتاحة أمامه ليست سهلة؛ إما أن يشكل الحكومة بالطريقة التقليدية ذاتها، وكأن شيئاً لم يتغير، أو يشكل حكومة بخلاف ميثاقي قد يترجم باعتراضات واعتصامات في الشارع. كما قد يشكل حكومة لا تنال الثقة، ما يضع شرعيتها على المحك في كل استحقاق. هذه السيناريوهات تعني أن العهد الجديد قد يتلقى ضربة قاسية تعوق انطلاقته.
مع ذلك، هناك سيناريو يراه البعض حلاً مناسباً، وهو أن يشكل سلام حكومة خالية من القوى السياسية تماماً، أو على الأقل حكومة لا تمنح أي فريق الوزارات السيادية. ويمكن للدول الراعية للمرحلة الجديدة أن تفرض الثقة بهذه الحكومة، كما فرضت التكليف ورئاسة الجمهورية. بهذا الشكل، تكون كل القوى السياسية على قدم المساواة، بحيث تُعتبر جميعها خاسرة.


