أورتاغوس تلغي الدولة… هذه معركتي!

أنطوني جعجع
مورغان أورتاغوس

لا دخل للبنان الرسمي في المواجهات التي يخوضها “حزب الله” هنا وهناك، ولا تأثير له في قرارات “اليوم التالي” لحرب الاسناد التي انتهت الى ما انتهت اليه، ولا دور له في رسم مستقبله وتحديد خياراته في خضم الخرائط التي ترسمها الادارة الاميركية الجديدة لما اتفق على تسميته “الشرق الاوسط الجديد”.

هذا ما أضاءت عليه علناً الموفدة الأميركية الجديدة الى لبنان مورغان أورتاغوس، ملمحة الى أن بلادها هي التي تتولى سحب “حزب الله” من التشكيلات الحكومية المتلاحقة، وليس رئيس الجمهورية جوزاف عون ولا رئيس الحكومة المكلف نواف سلام ولا المعارضة اللبنانية، انطلاقاً من رفضها أي دور فاعل تقدمه السلطة اللبنانية الى “حزب الله المهزوم عسكرياً”، وأي تساهل حيال سياسات التهرب أو المماطلة في تطبيق القرار ١٧٠١ بكل مندرجاته.

وما قالته خليفة آموس هوكشتاين يعكس مظلة التدويل التي فرضت فوق لبنان بعد وقف اطلاق النار في الجنوب أكثر مما يعكس قيام حكم جديد في بيروت، ويعكس أيضاً الجدية في تطبيق القرار ١٥٥٩ سواء عفواً أو قسراً ساعدها في ذلك مواكبة من الطيران الحربي الاسرائيلي الذي انقض فجأة على مخازن أسلحة تابعة للحزب في البقاع والجنوب واغتيال أحد قادته الميدانيين في طير حرفا.

“حزب الله” يعرف ذلك تماماً ويعمل بكل الطرق العلنية والسرية ليس لاعادة بناء الجنوب ولا العودة الى الحرب، بل من أجل تحقيق أمرين جوهريين، الأول كسب معركة الداخل في مواجهة العهد الجديد ومظلته الدولية والعربية، أي معركة العودة الى ما قبل “الثامن من أكتوبر”، والثاني معركة فتح المعبر السوري بين طهران وبيروت بأي ثمن، حتى لو اضطر الى خوض معارك عسكرية مباشرة عبر الحدود المشتركة كما جرى أخيراً على الحدود الشرقية، أو عبر معارك في العمق يخوضها بالاشتراك مع فلول النظام البائد في دمشق.

وما يعزز هذه الفرضية حرص الايرانيين على التذكير دائماً بأن الأمر لم ينتهِ في سوريا، لا بل لم ينتهِ في أي من مناطق نفوذهم، في اشارة الى وجود تصميم ليس على استعادة المحور السوري وحسب، بل عبر السيطرة على الشارع في بيروت وعلى القرار السياسي في كل من قصر بعبدا والسراي الحكومي.

وليس سراً أن هذا التهالك الايراني لالتقاط الأنفاس يستند الى أمرين جوهريين، الأول جنوح الحكم الجديد في دمشق نحو كل من تركيا والسعودية، ما يعني السيطرة السنية العربية وغير العربية على القرار الاستراتيجي السوري، والثاني سياسة الثور الهائج التي يتبعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مواجهة طهران، لا سيما تلك المذكرة السرية التي وقعها عشية استقباله رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل أيام، وهي المذكرة التي تردد في واشنطن أنها تتضمن فتح الطريق أمام سلاحين، العقوبات الخانقة والضربات العسكرية.

وأكثر من ذلك، يعرف “حزب الله” أن الفشل في السيطرة على أي حكومة تتشكل في عهد جوزاف عون، سيعني فتح الباب أمام أي قرار أميركي يستهدف تطبيق القرارات الدولية ولا سيما القرار ١٥٥٩ والقرار ١٦٨٠، وأن العودة السعودية الى الشارع السني أولاً واللبناني ثانياً، ستعني أيضاً أن أي أمل في العودة الى المرحلة التي تسمح باحياء المحور الايراني انطلاقاً من لبنان لن يكون متاحاً أو ممكناً في أفضل الأحوال.

وليس سراً أيضاً أن “حزب الله” يعرف تماماً أن الحكومة المرتقبة هي آخر الملاذات التي يمكن أن يلجأ اليها وسط التغيرات الدراماتيكية التي حدثت خلال الحرب والتي يمكن أن تحدث بعدها، لكنه لا يريد الدخول اليها من بوابة الشراكة الشكلية بل من بوابة الشراكة الفوقية أو المتفوقة القادرة على لجم القرارات التي قد تتعرض لسلاحه وروافده المالية والعسكرية، والقادرة على فتح خزائن الدولة والعمل لاحتواء النقمة المتصاعدة داخل البيئة الشيعية التي تعاني من خوفين: الأول عدم الحصول على التمويل لبناء ما تهدم، والثاني احتمال وجود قرار أميركي – اسرائيلي بتحويل الجنوب غزة ثانية ممنوع البقاء فيها وممنوع العودة اليها.

وكشفت مصادر قريبة من محور الممانعة، أن الثنائي الشيعي تلقى معلومات من مراجع عدة تؤكد أن مستقبل الجنوب لن يكون مختلفاً عن مستقبل غزة في حسابات ترامب على الرغم من أنه لم يتطرق الى ذلك خلال لقائه الأخير مع نتنياهو، معتمداً في ما يبدو على تسريبات من مسؤولين أميركيين تتعامل مع “حزب الله” على أنه فريق مهزوم لا يجب أن يقف على قدميه مجدداً، ومع ايران كدولة ارهابية لا يجب أن تستعيد مخالبها في أي من المحاور التي خسرتها أخيراً.

ولعل هذا الموقف الأميركي الذي يترافق مع تحرك الآلة العسكرية الاسرائيلية بين الحين والآخر، هو الذي يمنع الثنائي عون – سلام من توقيع أي حكومة تمنح الثنائي بري – قاسم ما لم يحصلا عليه في الحرب، وهو ما يرفع عصاه محذراً الدولة اللبنانية من أي تنازلات أو تمريرات أو مسايرات أو ثعلبات يمكن أن تعيد الأمور الى ما قبل “الثامن من أكتوبر”، ويمكن بالتالي أن تعرض لبنان لعزلة دولية – عربية خانقة قد تقوده الى افلاس كامل على كل المستويات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والديبلوماسية والانسانية والأمنية.

ونقل عن مصدر ديبلوماسي غربي أن الموفدة الأميركية الجديدة أورتاغوس المعروفة بمواقفها المتشددة من ايران والصين، لم تأتِ الى بيروت للتعارف، بل لتحذير من يحاول منع قيام تركيبة سياسية جديدة في بيروت، من أنه سيرى الوجه القبيح للمظلة الدولية القائمة الآن، مشيراً الى أن الرئيس بري الذي يرفض اجراء قراءة متأنية للتغييرات الحاصلة، يضع نفسه عفواً أو قسراً في فم الذئب، ويتلقى بصدره السهام الموجهة أصلاً نحو “حزب الله” لاعتبارات غير مفهومة حتى الآن.

وأضاف: ان بري يحرق أوراقه كلها من خلال هذه الشراكة الغريبة مع طرف شيعي جرَّ البيئة الشيعية الى ما يشبه الانتحار الجماعي على كل المستويات، متسائلاً: هل هناك في الأدراج الحكومية ما يخيف الرجل أكثر من أي تداعيات أخرى قد تأتيه من الخارج وفي مقدمها سلاح العقوبات؟

وأشار المصدر عينه الى أن بري الذي اعتاد أن يكون الحاكم بأمره في العقدين الأخيرين يعتبر نفسه، من باب المكابرة، أرفع شأناً من جميع الذين يديرون البلد بعد ملء الفراغات الرئاسية والحكومية، وأنه يرفض أن يتحول الى مجرد حيثية تتلقى ولا تفرض حتى لو أدى ذلك الى تدمير الهيكل الشيعي على رأسه ورؤوس رجاله.

وما زاد في هذا الانطباع، تسريبات من عين التينة أن بري، يبدو أكثر ارباكاً من “حزب الله”، ويخشى أن يسهم غياب التوقيع الثالث في الحكومة وغياب الثلث المعطل، في فتح ملفات أمنية ومالية تطاول عدداً كبيراً من رجاله ومعاونيه، مشيرة الى أن ما يفعله لا ينطلق من تحالف عضوي مع المحور الشيعي الآخر بقدر ما ينطلق من حرص على استغلال هزيمة الأخير، في محاولة لقيادة بيئته الجريحة والناقمة مما جنت عليها ولاية الفقيه الى ما يمكن أن تجنيه لها حركة “أمل”.

لكن التمنيات شيء والوقائع شيء آخر، اذ إن بري لا يزال يقرأ في كتاب سياسي لم يعد صالحاً للعصر الجديد الذي يرسيه ترامب في الشرق الأوسط، وهو العصر الذي يشبه قطاراً يحمي من يستقله ويدهس من يخرج منه لا فرق إن كان من مستوى بري أو من مستوى خامنئي نفسه.

في اختصار انه الحصار الثلاثي الذي يطبق على “حزب الله” من سوريا الجديدة من جهة وأميركا من جهة ثانية واسرائيل من جهة ثالثة، وانه أيضاً المذكرة السرية التي وقعها الرئيس الأميركي قبل أيام، أي المذكرة التي يبدو أنها لا تتضمن أي خطوط حمر حيال ما تعتبره ايران والثنائي الشيعي مجرد ورقة تهويلية يمكن التصدي لها من خلال وزير للمال لا يملك فلساً واحداً في خزينة الدولة، أو من خلال وزير خامس لا يملك أكثر من دراجة نارية تثير الضجيج في الأزقة والشوارع.

شارك المقال