ليس سراً أن “حزب الله” يبحث عن أي انتصار ممكن سواء كان جدياً أو صورياً، لا فرق يأتي على حساب الجيش أو “اليونيفيل” أو أي فريق سياسي لا يدور في فلكه أو لا يعترف له بما يظنه حقاً وحقيقة حتى لو كان باطلاً.
انه في الزاوية الخانقة، بدءاً من الجنوب مروراً بسوريا والعراق وصولاً الى ايران التي تجهد لمدّه بجرعات حياتية هي كناية عن حفنة من الدولارات أو صناديق من الذخائر.
إنه أيضاً اليأس من أي تشكيلة سياسية ممكنة توفر له الغطاء الشرعي في مكان، والتفوق الآمن والمستقل في مكان آخر، بعدما فشل في اختيار رئيس للجمهورية من صنعه الحصري، وفي تشكيل حكومة وفق شروطه المطلقة، وفي الحفاظ على شركاء أو حلفاء فاعلين بعدما تموضع “التيار الوطني الحر” في خط آخر، وتقوقع حلفاء بشار الأسد في أمكنة تشبه الى حد كبير أماكن اليتامى والمنفيين.
وأكثر من ذلك، لقد اعتاد “حزب الله” على مدى أربعين عاماً أن يكون القوة التي تخيف لا القوة التي تخاف، والجهة التي تأمر لا الجهة التي تنصاع، والفريق الذي يُطاع لا الفريق الذي يطيع، وبات من المستحيل أن يفيق كل يوم على واقع يذكره بأنه فقد سيده حسن نصر الله وقادته الكبار، وخرج من بلدات الجنوب وجباله وأنفاقه، ووقّع على اتفاق هو بالنسبة اليه السير نحو المقصلة، ونعى الآلاف من مجاهديه النخبويين فوق الأرض وتحتها، وعانى خروقاً ودسائس لم يشهد تاريخ العرب مثيلاً لها، ووجد نفسه محشوراً في الضاحية بعيداً من كل شيء لا بل وحيد من دون أمل في العودة الى قوته وفائضها، ومن دون ايران العاجزة عن إنقاذه، ومن دون سوريا التي تحولت من حاضنة الى كاسحة، ومن معبر الى نفق مسدود، وفي مواجهة جيش اسرائيلي يحصي أنفاسه، ورئيس أميركي جامح يتربّص بمحور الممانعة من غزة الى طهران.
لم يخطر في قناعات شيعة “المقاومة الاسلامية” احتمال الوصول يوماً الى زمن ينتظرون فيه طائرة ايرانية تنقل لهم أموالاً تبقيهم في القليل من العيش الكريم، أو رؤية الجيش اللبناني وهو يقتحم الضاحية الجنوبية بحثاً عن مطلوبين، أو السعي الى اذن للوصول الى بيوتهم المدمرة في قراهم المدمرة، أو التهالك لتوزير مناصر لهم في الحكومة، أو الخروج من سوريا منكسرين أمام جيش سوري فتي، أو الوصول الى مرحلة مفلسة أعقبت حرباً لم ينجزوا فيها أي شيء مكتفين بالتفرج على حليفتهم “حماس” وهي تقارع اسرائيل بسلاح ثمين تمسكه بقوة هو سلاح الرهائن.
ما جرى على طريق المطار ومناطق أخرى لم يكن محاولة انقلاب من “حزب الله” على الدولة بمقدار ما كان أولاً محاولة لحجز موقع على الأرض التي تحولت الى بساط يُسحب تدريجاً من تحت أقدامه، وثانياً لمعرفة جدية الدولة والجيش في مواجهته من دون محاذير هذه المرة ومن دون محرمات أو خطوط حمر.
وما جرى أيضاً، أسقط عنه كل البيئة الشعبية التي كانت تناصره أو تجد له المبررات والأسباب التخفيفية ومنها حركة “أمل” التي لم تعد قادرة على التزام تحالف يقودهما معاً الى مزيد من الانهيارات على كل المستويات، معتبرة أنها فعلت أقصى ما يمكن للحد من الخسائر وليس للحد من الفرص والمخارج.
والواقع أن موقف الرئيس نبيه بري المعارض لما جرى على طريق المطار يستند الى قراءة منمّقة في ما آلت اليه الأمور بعد حرب الاسناد، متخوفاً أمام معاونيه من أن تؤدي ممارسات “حزب الله” الى واحد من اتجاهين: اما نحو صدام مع الجيش الذي يوشك الحصول على غطاء سياسي من الحكومة مدعوماً بغطاء عربي – أميركي، واما الى مواجهة شيعية-شيعية تقضي على آخر بندقية ملقمة في الشارع الممانع.
ويعرف بري أن ما فعله شريكه الشيعي في مواجهة “اليونيفيل” والجيش ورموز الدولة هو الانتحار بعينه لا بل الرصاصة التي تصيب رأس مطلقها سواء عفواً أو قصداً، مشيراً الى أنها تأتي في وقت يتراكم تحالف أميركي- اسرائيلي ليس لمنع الطائرات الايرانية من الهبوط في بيروت وحسب، بل أيضاً لمنع ايران من انتاج سلاح نووي ومن أي محاولة للعودة الى سوريا أو لاحياء ترسانة “حزب الله” أو لترميم المحور الشيعي المفكك عن آخره.
بري الذي ساهم في صياغة القرار ١٧٠١ يعرف تماماً أن التعامل معه كما تعامل حسن نصر الله بعد حرب تموز العام ٢٠٠٦، غير ممكن على الاطلاق، وأن الحرب بالنسبة الى اسرائيل لم تنتهِ ولن تنتهي ما دام الشيخ نعيم قاسم يملك صاروخاً واحداً موجهاً نحو المطلة، وهو ما يبرز جلياً في الآلة العسكرية الاسرائيلية التي لم تطفئ محركاتها بعد سواء في الجنوب أو البقاع أو في أجواء بيروت.
وما يحاول بري فعله هو اقناع شريكه الشيعي بالتسليم بالواقع الجديد، كما ارتضى هو، مبلغاً اياه أنه مستعد كي يكون شريكاً في لملمة الشارع الشيعي بأي وسيلة سياسية متاحة، لكنه ليس مستعداً للمساهمة في تدمير ما تبقى من هيبته المصانة ووجوده الفاعل، أو الوقوف في وجه القطار الذي يقوده دونالد ترامب بالشراكة مع رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو مصوّباً هديره نحو لبنان وايران والعراق وصولاً الى الرئيس أحمد الشرع الذي اعتقد لوهلة أنه خرج من كوفيته بالنسبة الى واشنطن وتل أبيب ودخل الى المستقبل مرتدياً ربطة عنق.
انها الهوة بين رجلين، رجل يعرف متى يهدأ ومتى يثور هو نبيه بري، ومعمّم لا يعرف في قاموسه العقائدي الا الارتماء في النار سواء أتت عليه أو أتت على الجميع.
من هو هذا الرجل؟ انه كل من يظن أن حسن نصر الله كان رجلاً عادياً وأن خلافته يمكن أن يتولاها رجل عادي من طينة نعيم قاسم أو من طينة عبد الملك الحوثي.
“حزب الله” يعرف أنه يخوض آخر معاركه ولم يعد يملك الكثير مما يمكن أن يخسره، لكن المكابرة التي اعتادها على مدى أربعين عاماً هي التي تمنعه من التسليم بما أصابه أمس وتلافي ما قد يصيبه اليوم وتحسس ما قد يصيبه غداً.
لكن السؤال يبقى: هل يأتي اليوم الذي يصدق فيه “حزب الله” أن الهزائم لا تحتمل عمليات التجميل في مجتمع منفتح كالمجتمع اللبناني، وأنه انتقل في رأي اللبنانيين التواقين الى دولة يأمنون لها، من نظرية الشيعة الحماة الى واقع الشيعة الجناة، وأن يدرك عندما يسير في جنازة حسن نصر الله بعد أيام أنه يسير خلف حلم “الجمهورية الاسلامية اللبنانية” التي تحولت الى آثار تشبه أحلام ياسر عرفات في “الوطن البديل” وطموحات آل الأسد في “الوطن الملحق”، وكل الطوائف اللبنانية التي أدركت بعدما أثخنتها الجراح، أن السلاح ليس دائماً “زينة الرجال” وأن الاستقواء على الداخل لا يبقي دائماً خطر الخارج في الخارج؟


