لا يشعر الشماليّون بالأمان أبداً في ظلّ “الهرج والمرج” اللذين يتحكّمان بهم منذ بداية شهر رمضان المبارك، فبعد الحديث عن دخول مجموعة من “فلول” النّظام من قرية السمّاقية العكّارية إلى سوريا للاشتباك مع الجيش السوريّ منذ ساعات، اندلعت مواجهات عنيفة استمرّت لأكثر من أربع ساعات تقريباً بيْن مجموعات من مخيّم البداوي ومنطقة وادي النحلة في طرابلس، ووصلت معهما إلى “الشيطان الرّجيم” كما يُقال.
يُمكن القول، إنّ الحوادث الأمنية التي تقع شمالاً، ليْست بالصدفة على الاطلاق، خصوصاً أنّها صارت تتنقل من منطقةٍ إلى أخرى، وكلّها مرتبطة بسببٍ واحد يكمن في الخلاف حول “حزب الله” أو “أذناب” إيران كما يُردّد الشماليّون. من هنا، تمكّنت حادثة توقيف شاحنة مساعدات أو “إعاشات” مقدّمة من إيران، وكانت متجّهة إلى المخيّم الملتصق أساساً بوادي النّحلة الذي لا ينفصل عنه، من إثارة الجدل منذ أيّام، وذلك بعد قيام إ. سيف الملقّب بـ “العسكري” بمصادرة الشاحنة (التي عثر فيها على صور الأمين العام السابق لـ “حزب الله” حسن نصر الله)، وتوزيع محتواها على أهالي المنطقة، ما زاد من حدّة الغضب لدى بعض المجموعات في المخيّم.
ومنذ ساعات، اندلعت اشتباكات مسلّحة بيْن شبان من المخيّم وعشيرة آل سيف، وذلك بعد قيام أحد شبان المخيّم بإطلاق النّار باتجاه وادي النّحلة، ما استدرج المنطقة كلّها إلى معركةٍ أرعبت الأطفال وأقلقت الكبار.
مصدر من آل سيف يُؤكّد لـ “لبنان الكبير”، أنّ شاحنة الحصص الغذائية عيْنها تمّت مصادرتها العام الماضي وكانت تحمل صوراً لنصر الله، حتّى أنّ قائد الشاحنة هو نفسه “لكنّ العام الماضي، لم يقم أحد بتصويرها، وتمّ توزيع الحصص بيْن أهالي المنطقة الذين يُناهضون الحزب الذي قتل الأبرياء في سوريا ولبنان، أمّا الشاحنة التي ستمرّ مجبرة من وادي النّحلة لتدخل إلى المخيّم، فتمّت مصادرتها منذ أيّام ووزّعت الحصص بيْن النّاس، لكن من أوقفها (أيّ العسكري) لم يأخذ حصّة واحدة منها إلى منزله، وبعد الحادثة، طلبته الدّولة للتحقيق ولم يذهب، وما زال متوارياً عن الأنظار”.
ويقول: “الاحتقان بعد هذه الحادثة بدا واضحاً من خلال كتابة البعض منشورات تتّهم أهالي وادي النّحلة بالسرقة ونحن ندرك جيّداً من يكتبها، حتّى أنّ بعض الشبان كان يقف عند باب المخيّم وينظر إلينا، لكن لم يحدث شيء بيْننا، إلّا بعد قيام شخصيْن بإطلاق الرصاص على وادي النّحلة باتجاه بيوتنا عند ساحة العلم، ليبدأ الاشكال منذ الساعة الواحدة صباحاً حتّى الفجر ولم يتوقّف إلّا بتدخلٍ من الجيش”.
واذ يُطالب المصدر الدّولة بتسليم مطلقيْ النّار “لأنّهما تسبّبا في إصابة عبد القادر محمود سيف بكتفه وفي جرّنا نحو إشكال”، يشكر “الجيش الذي انتشر في المنطقة ووضع ملّالة عند كلّ مفرق، ما يُشير إلى انتهاء التصعيد”، لكنّه يؤكّد أنّ “من أطلق النّار علينا في المخيّم هو نفسه من كان يُقاتل في سوريا، وعلى الرّغم من كلّ ما حدث، فإنّنا كعشيرة يجمعنا الكثير مع أهالي المخيّم، والأهم أنّ النّسب يجمعنا وكذلك العشرة”.
وكان اتحاد العشائر العربيّة أصدر بياناً دعا فيه جميع الأطراف إلى ضبط النّفس، “حرصاً على سلامة الأهالي وحقن الدّماء”، مشدداً على أهمّية دور الجيش والأجهزة الأمنية في تحمّل المسؤوليات وكذلك في حصرية السلاح ورفضه خارج إطار الشرعية.
ومن المخيّم، يُؤكّد مصدر متابع أنّها ليْست المرّة الأولى التي يتلقّى فيها مساعدات من كلّ فئة تدعم قضيته، ويقول لـ “لبنان الكبير”: “قائد الشاحنة عيْنه جاء العام الماضي، ويقوم كعادته، بأخذ الشحنة إلى المنية وتوزيع حصص عدّة في المخيّم، لكن منذ أيّام، وصل إلى المنطقة من دون تغطية الحصص بشادر، وتمّ توقيفه طبعاً، وكأنّه يقصد إحداث فتنة، مع العلم أنّ المخيّم لا يتضمّن سراي المقاومة كما يزعم البعض، بل مجموعات كانت تنتمي الى محور معيّن، وبعد التغييرات، تسعى الى إعادة تموضعها في الوجهة الصحيحة، لكن بالتأكيد أنّ الاشكال حصل بيْن مجموعات خرجت عن سلطة الدولة والفصائل التي لا علاقة لها بما حدث، وخرجت عن المنهج الوطني الفلسطيني بتهوّر، ولا شكّ في أنّ نزع فتيل التحريض بات ضرورياً في المخيّم وفي وادي النحّلة أيضاً”.
معطيات “لبنان الكبير” تلفت إلى أنّ الشحنة المتوجّهة نحو المنية، تتجّه كعادتها إلى رئيس “المركز الوطنيّ” في الشمال كمال الخير المعروف بمناصرته لـ “حزب الله”، والذي يقوم بدوره بتوزيعها، حتّى أن بياناً قيل إنّ “شباب المنية” أصدروه، تحدّث عن حادثة الشاحنة، وكتبوا فيه: “خرج معتزّ الخير، نجل الخير من الشاحنة…” أيّ أنّه كان موجوداً أثناء المشكلة وفق شهادتهم.
ويُشدّد أمين سرّ الفصائل في الشمال، مصطفى أبو حرب على علاقة الأخوّة التي تربط المخيّم بوادي النّحلة، قائلًا لـ “لبنان الكبير”: “تواصلنا مباشرة مع فعاليات المنطقة، كرئيس بلدية الوادي خالد الجزّار وكلّ الإخوان، وأكّدوا جميعهم رفضهم لهذه الأفعال، أمّا نحن كفصائل، فلا علاقة لنا بالإشكال، وقمنا بردع المرتكبين عن فعلتهم وإبعادهم عن محاور الاشتباك، وتحدّثنا مع مخابرات الجيش التي وضعناها في الأجواء التي نرفض وجودها أساساً بسبب بعض الخارجين عن الأعراف، وسنحاسب قطعاً من اعتدى على أمن الجوار الذي لن ننفصل عنه”.
ويطالب “الغيّورين، المعنيين والوجهاء في وادي النّحلة بوقوفهم إلى جانبنا ضدّ الفتنة المتدحرجة، لأنّنا نرفض أنْ يكون المخيّم خاصرة رخوة في الأمن اللبناني الذي سندافع عن سيادته”.


