أثبتت قوى سياسية “راسخة” في بعض بلدات الضنّية وعكّار شمالاً زعامتها وقدرتها على التحكّم بالمشهدية الانتخابية، وذلك على الرّغم من فرض التحالفات المضادّة نفسها لتكسر هذه الزعامة أو لتُحدث خرقاً يُسهم في تغيير القوالب التقليدية المعتادة. وفي ظلّ الحديث عن “التغيير” وتقلّبات الدّول الاقليمية سياسياً، ذهبت الآراء لتُؤكّد تراجع العائلات ونفوذها في بعض البلدات بالتوازي مع ضعف قيادات سياسية كبرى أو انهيارها، لكنّ المؤشرات الانتخابية جاءت لتفرض العكس وتنفي هذه الفرضيات التي عجزت أيضاً عن نفي العلاقة الوثيقة بيْن المعركة البلدية والثقل السياسي – العائلي خصوصاً في القرى والبلدات التي تأخذ حيثية أو خصوصية معيّنة، واتضح أنّ المعركة البلدية المحتدمة تحمل ثقلاً نيابياً وعلى أعلى المستويات العائلية والسياسية.
وفي الضنية وعكّار (وبغياب تيّار “المستقبل” عنهما انتخابياً لأوّل مرّة)، احتدمت المنافسة الانتخابية خصوصاً في البلدات التي أُطلق عليها لقب “أمّ المعارك”، واعتُبرت معركة ضمن البيت الواحد الذي تحكمه قاعدة التوريث السياسيّ والعائلي والذي ظهر جلّياً في الضنية.
ومن عروس الشمال، أيّ الضنّية نبدأ، وتحديداً من بخعون وهي مسقط رأس النّائبيْن جهاد وعبد العزيز الصمد، وبعد تشكيل لائحتيْن فيها، إحداها “بخعون عائلتي” المدعومة من جهاد الصمد، وثانيها “كلّنا بخعون” المدعومة من عبد العزيز الصمد بتحالفه مع النّائب السابق قاسم عبد العزيز، تمكّن جهاد الصمد من الفوز بكلّ مقاعد المجلس البلديّ، ما دعم وجوده بلدياً ونيابياً، ومكّنه من “تمديد” جذور عائلته السياسية التي تعود لأيّام والده مرشد الصمد، ويُمكن التأكيد، أنّ هذه النتيجة كانت متوقّعة، نظراً الى قاعدة الصمد الشعبية وإثباته لوجوده داخل منطقته في كلّ الأعوام والظروف، خلافاً لعبد العزيز الذي فاز في الانتخابات النّيابية، ولا يُسمع منه أو عنه خبر واحد.
وإلى السفيرة (لآل هرموش وطموحهم النّيابي)، توقّفت فيها العملية الانتخابية مؤقتاً بسبب إشكال داخل أحد أقلام اقتراع، لكن عادت الأمور إلى ما يُرام بعدها، وتنافست لائحتان “عائليتان” فيها، الأولى “قرار السفيرة” المدعومة من النّائب السابق أسعد هرموش ونجله براء، والثانية مدعومة من رجل الأعمال بلال هرموش (منافس لبراء) “من أجل السفيرة” التي خسرت أمام اللائحة الأولى.
وإلى سير، مسقط رأس فتفت وبعد تشكيل لائحتيْن، فاز النّائبان السابقان أحمد فتفت ونجله سامي بلدياً (ليس بالمقاعد كاملة)، واللافت أنّهما حقّقا الفوز بعد خسارتهما البلدية في دورتيْن (2010 و2016)، فكان الفوز واستعادتهما لها أمريْن إيجابييْن بالنّسبة إليْهما، لكنّ هذه النتيجة ووفق الأهالي، لم تكن لتحدث لولا عزوف رئيس البلدية السابق أحمد العلم عن الترشح ومنافستهما ما أسهم في فوزهما هذا العام.
أمّا في عكّار، فيُجمع المتابعون أنّ المعركة المحتدمة كانت في رحبة سياسياً (لا سيما بعد زيارة رئيس “التيّار الوطنيّ الحرّ” النّائب جبران باسيل إليْها ودعمه للائحة رئيس البلدية السابق فادي بربر الذي يُريد التنافس مع النّائب أسعد درغام نيابياً)، وغيرها من البلديات المسيحية التي أثبتت (بمعظمها) ولاءها لأحزاب سياسية مسيحية (أبرزها التيّار والقوّات) تحالفت مع العائلات، ومنها: بينو، بزبينا تلعباس الغربي، شدرا، منجز… وتقول المصادر: “إنّ التحالفات السياسية لا تُحقّق نجاحها في عكّار إلّا بالتوافق مع العائلات خصوصاً في البلدات التي لا يخفى ثقلها السياسيّ، وقد اتضح أنّ بعض الشخصيات العكّارية ما زال يفرض نفسه في اللعبة الانتخابية ويشدّ عضده بالعائلات عبر التوافق معها لا بالسياسيين”.
وفي وقتٍ كانت تحكمت فيه العائلات بقرار بعض البلدات في عكّار، لعب النّائب وليد البعريني دوراً انتخابياً مهماً هذه المرّة لا في مسقط رأسه فنيدق وحسب، بل في بلدات أخرى مثل حلبا والكويخات… حيث تحوّل إلى لاعبٍ سياسيّ مؤثّر في القضاء شمالاً، وبعد منافسة ثلاث لوائح لبعضها البعض في حلبا عائلياً (لا يخفى على أحد التدخلات السياسية فيها، وهي: “بالتضامن حلبا أحلى” ويترأسها رئيس البلدية الأسبق سعيد شريف الحلبي، الثانية “وحدة حلبا”، برئاسة ابن شقيق سعيد، وهو عبد الحميد أحمد الحلبي، والثالثة “حلبا المدينة”، يترأسها سليمان خالد الحلبي)، جاءت النتائج لصالح عبده الحلبي أو عبد الحميد الذي دعمه البعريني الدّاعم بدوره للائحة “فنيدق أوّلاً” ضدّ لائحة المنسق العام لتيّار “المستقبل” ورئيس اتحاد بلديات جرد القيطع السابق عبد الإله زكريا، وعلى الرّغم من حصول مخالفات كبيرة، تمكّن البعريني من إثبات زعامته في المنطقة على الرّغم من حدوث محاولات قد تتكرّر وبطريقةٍ مختلفة خلال الاستحقاق المقبل، لكنّ القرار الأوّل والأخير، يبقى للعائلات التي تتحكّم بتوجّه معظم أبنائها وفئاتها.


