يطرح اختفاء الشابّة لمى صفر من طرابلس منذ ساعات، تساؤلات كثيرة حول التوجّهات والمخطّطات الأمنية التي تُحاك لطرابلس والشمال، خصوصاً وسط انتشار الأحاديث الاعلامية والتحليلية التي تلفت إلى تنشيط خلايا “داعشية” شمالاً وفي البقاع، أيّ المناطق ذات الأكثرية السنّية من جهة، وارتفاع عدد الفتيات المختفيات خلال الفترة الأخيرة من جهةٍ ثانية. أمّا لمى التي خرجت من منزل ذويها ولم تعد إلّا أنها أبلغتهم بوصولها إلى حمص السورية “مع الأخوات لأنّها تُريد إقامة الدّين بنفسها” كما ذكرت في تسجيلٍ صوتيّ، فكانت أحدثت خضّة كبيرة في المدينة.
أوساط متابعة لعائلة صفر، تُشير لـ “لبنان الكبير” إلى أنّ الفتاة (عمرها 14 عاماً كما وردنا ومن منطقة جبل البداوي) أرسلت مقطعاً صوتياً لأهلها وتحديداً لشقيقها بعد يوم على اختفائها تقريباً، وأبلغته بانتقالها إلى حمص، “وقد اتصلنا بأحد معارفنا في الشام وتأكّدنا من وجودها في حمص بالفعل، لكن يُرجّح حتّى اللحظة، تعرّضها لحيلة ما خدعتها لتتوجّه إلى سوريا التي لم نرصد فيها أخيراً أيّة تحرّكات إرهابية بعد تسلم الرّئيس السوري أحمد الشرع زمام السلطة والرئاسة، أيّ أنّنا لا نعرف كيفية توجّهها إلى هناك وخلفيته، ونتابع عن كثب هذه القضية لاستعادتها ومعرفة الظروف التي حثّت فتاة ملتزمة على مغادرة المنزل من دون إبلاغ أحد”.
أمّا عن اختفاء الفتيات من مناطق عدّة (لا في طرابلس فحسب)، فيلفت مصدر مطّلع لـ “لبنان الكبير” إلى متابعة الأجهزة الأمنية لكلّ عمليّة اختفاء يتمّ الإبلاغ عنها “وهي لا تُشير بالضرورة إلى وجود شبهات حولها كما حصل مع صفر، لأنّ معظم الحالات مرتبط بزواجهنّ، أو بهربهنّ من منزل العائلة خوفاً أو بعد ضغط…”، داعياً الأهالي إلى التنبّه بجدّية الى ما يُشاهده الجيل الجديد أو يُتابعه “لأنّ الوضع خطير بسبب مواقع التواصل، وكنّا شهدنا توجّه شبّان إلى سوريا في أعوامٍ سابقة، أمّا اليوم ومع فتح الحدود وعودة العلاقات الدّيبلوماسية معها، فإنّنا نخشى ظهور تحرّكات جديدة تستهدف زعزعة الأمن في سوريا ولبنان عبر غسيل دماغ جديد وغير مفهوم، أمّا عن الطفلة لمى، فقد يتمّ التواصل مع الجهات السورية من أجلها”.
المحامي محمّد صبلوح، يُتابع هذا الملف، ولا يُخفي في حديثه مع “لبنان الكبير” أنّ ثمّة مخطّط خفيّ (أمنيّ وقضائيّ) للإبقاء على “المظلومية” السنّية لاستغلالها عند الحاجة، تنفيذاً لسيناريو مقبل يستبق إعلاميّون ومحلّلون الحديث عنه، ولا تقوم الأجهزة الأمنية أبداً باستدعائهم للتحقيق معهم بغية معرفة مصادر معلوماتهم المريبة. ويؤكّد أنّ “بعض الأجهزة الأمنية والقضائية في لبنان، ما زال يعمل بالأداء القديم في العهد الجديد، فيختلق التُهم ولا ينفيها حتّى بعد براءة المتهم منها، ولا يلتزم أبداً بمذكّرة حكومية أصدرها رئيس الحكومة نوّاف سلام إلى الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة، طلب فيها العمل الفوريّ على إلغاء جميع وثائق الاتصال ولوائح الإخضاع وتجريدها من أيّ مفاعيل، لكن تمّ رصد توقيف ثلاث حالات بعد المذكّرة، وباختصار، إنّ النّظام السوريّ الذي أُسقط في سوريا، لم يسقط في لبنان”.
ويتحدّث صبلوح عن ترسيخ بعض القضاة والأمنيين لمبدأ الإرهاب واتهام فئة واحدة به بلا أدلّة، قائلاً: “سوريّ دخل إلى لبنان في العام 2021، اعتُقل العام 2024 بتهمة الانتماء إلى داعش، لأنّ شقيقه انتمى إلى التنظيم وقتله النّظام السوريّ، فعُذّب في لبنان من أجل تُهمة باطلة، ليتضح فيما بعد وبإثباتات، أنّ شقيقه تُوفي العام 2010 بحادث سير، وبعد تأكيد براءته من أيّة تهم أو شبهات إرهابية، استمرّ الادّعاء عليه بالإرهاب، وحُكم عليه بالسجن لثلاثة أعوام. كما اعتُقل شخص من القبّة قبل العيد بعشرة أيّام، بعدما كتب منشوراً عن سوريا، فدعاه جهاز أمنيّ إلى تسليم هاتفه، ليدعوه بعد يوميْن الى تسلمه من جديد، فاختفى قسراً عن ذويه ولم يتواصل والده معه إلّا بعد عشرة أيّام من دون معرفة مكانه، وحُرم من حقّ توكيل محامٍ على الرغم من الإذن القضائيّ، وخُرقت المادّة 47 من أصول المحاكمات الجزائية، وحُوّل ملفه إلى قاضي التحقيق العسكريّ فادي صوّان، وبثلاث ساعات، ادّعى عليه بالإرهاب والتعامل مع العدوّ الصهيونيّ، وحين تمكّن والده من رؤيته وجد أصابعه مكسورة، ولا يسمع جيّداً نتيجة الضرب…”.
ويرى صبلوح أنّ الحديث عن دخول سيارات مفخّخة، وتهريب أسلحة عبر الحدود شمالاً وغيرها، كلّها سيناريوهات تمهيدية تستهدف خلق الإرهاب والتجارة به “فالقرارات الجائرة التي ما زالت تصدر عن المحكمة العسكرية حتّى في العهد الجديد خلافاً لقسم الرّئيس جوزاف عون وخطابه، والرّغبة دائماً في خلق بيئة منبوذة (مع أنّ طرابلس لم تكن يوماً بيئة حاضنة للإرهاب)، كلّها تدلّ على توليد الإرهاب كأداة لاستغلالها في ظروف، وبعض الأجهزة يُلقي القبض كلّ فترة على شخص لينضمّ إلى ملف سيُعلن عنه بعد فترة أو عند اللزوم، كيّ يُقال للداخل والخارج، إنّنا مشغولون بمتابعة الإرهاب، فلا يُسلّم سلاح للحزب ولا تخرج المناطق السنّية عن قوقعتها التي تستفيد منها قوى الأمن الواقع والغرف السود التي تُشيطن ولا تحلّ الأزمة بإيعاز من الحزب وبعض الأجهزة التي تعمل تحت لوائه اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى، وإذا سألنا عمّن له مصلحة في إثارة هذه الفتن والمشاريع الآن؟ فلا جواب سيكون باسم داعش أو النصرة بعناصرهما الذين أوجدتهم الأنظمة، بل سيُعرف الجواب مباشرة من المخطّط نفسه”.


