هل أذربيجان لا تزال قادرة على تحقيق تقارب بين دمشق وتل أبيب؟

خالد العزي

في ظل التوترات المستمرة والتحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، تبرز تساؤلات حول قدرة أذربيجان على الاستمرار في لعب دور الوسيط بين دمشق وتل أبيب، خصوصاً في ظل التحولات الاقليمية المتسارعة. فعلى الرغم من أن باكو أصبحت لاعباً رئيسياً في السياسة الاقليمية في السنوات الأخيرة، إلا أن الظروف الحالية تطرح العديد من التحديات التي قد تعيق دورها كوسيط بين الطرفين المتنازعين أو تعززه.

تُعد زيارة رئيس الجمهورية العربية السورية، أحمد الشرع، إلى أذربيجان خطوة سياسية بالغة الأهمية. هذه الزيارة تأتي في وقت حساس، بحيث تزداد الحاجة إلى تعزيز العلاقات بين دمشق وباكو، خصوصاً في ظل التغيرات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة. فقد أصبح واضحاً أن أذربيجان، التي كانت في السابق دولة ذات تأثير محدود، باتت تُمثل لاعباً رئيسياً في المعادلات الاقليمية، وتستطيع أن تكون وسيطاً ديبلوماسياً فاعلاً في ملفات إقليمية معقدة.

أذربيجان: دور متزايد في السياسة الاقليمية

أذربيجان، التي تجمعها علاقات قوية مع إسرائيل منذ التسعينيات، بدأت في السنوات الأخيرة تتصدر المشهد كداعم رئيسي للعديد من القضايا الاقليمية. تحظى باكو الآن بثقة الأطراف المتنافسة، سواء كانت دمشق أو تل أبيب، وذلك بفضل موقعها الجغرافي المهم وتنوع علاقاتها الدولية. هذه العلاقات تجعل من أذربيجان منصة ملائمة للحوار غير المباشر بين سوريا وإسرائيل، خصوصاً في الملف السوري-الاسرائيلي، الذي يشهد تطورات غير مسبوقة.

الاهتمام المتزايد في باكو قد يكون مفتاحاً جديداً لحلحلة المواقف بين دمشق وتل أبيب. فقد أثيرت تسريبات إعلامية تتحدث عن اجتماعات تطرقت إلى فكرة التفاوض حول الجولان المحتل، أو حتى اتفاق أمني موسع بناءً على اتفاق فك الاشتباك الموقع في العام 1974. وهذه خطوة قد تمهد لمفاوضات أكثر جدية في المستقبل.

التوتر الايراني – الأذربيجاني: مسألة ذات أبعاد خطيرة

ويُعد التعاون الأذربيجاني مع إسرائيل مصدراً للقلق الكبير بالنسبة الى إيران. ففي حين تواصل باكو تأكيدها على الحياد، إلا أن هذا التعاون العلني يثير مخاوف طهران من تزايد التهديدات على حدودها الشمالية، اذ لطالما اعتبرت أذربيجان نقطة ضعف في رقعة الشطرنج الاقليمية، خصوصاً وأنها جارة مباشرة لطهران وتتمتع بعلاقات عسكرية مع تل أبيب. هذا التعاون يعكس تبايناً واضحاً في المصالح، ويزيد من تعقيد الوضع الاقليمي في الشرق الأوسط.

في هذا السياق، تجدر الاشارة إلى أن إيران قد شرعت في تحقيقات حول ما إذا كانت الطائرات المسيرة الاسرائيلية قد انطلقت من الأراضي الأذربيجانية خلال العمليات العسكرية في غزة. وفي حال ثبوت ذلك، فإنه سيشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي وقد يعقّد العلاقات بين الدولتين بشكل أكبر.

سوريا وأذربيجان: تحولات استراتيجية

أصبحت العلاقات السورية مع أذربيجان أكثر من مجرد علاقات ديبلوماسية، فهي تأخذ بعداً أمنياً وجيوسياسياً. فقد دفع التوتر بين دمشق وطهران، إلى جانب علاقتها المتوترة مع روسيا، سوريا إلى إعادة تموضعها في المنطقة. تطور العلاقات مع أذربيجان يعد مؤشراً على محاولة دمشق تعزيز علاقاتها مع دول جديدة، وبالتالي تجاوز الاعتماد المفرط على الحليف الايراني.

أما العلاقة بين تركيا وأذربيجان فتعد محوراً مهماً في السياسة السورية. فقد سبق أن شارك السوريون إلى جانب تركيا في معركة “كاراباخ” ضد أرمينيا، وهو ما جعل تركيا تفرض نفسها كلاعب رئيسي في المنطقة، ما فتح المجال أمام تطور العلاقات السورية مع أذربيجان. هذه الديناميكية تفتح أبواباً جديدة للتعاون، بما في ذلك في مجالات الطاقة والاستثمار، بالاضافة إلى الأبعاد الأمنية.

الأزمة في السويداء: تعقيد جديد في المشهد

ومع التصعيد الأخير في الجنوب السوري، وتدخل إسرائيل في السويداء بحجة حماية الدروز من التطرف السني، تبدو الأمور أكثر تعقيداً بالنسبة الى الأطراف المعنية. التدخل الاسرائيلي العسكري المباشر في سوريا يعقّد من إمكان الوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد بين سوريا وإسرائيل، ويزيد من التوترات الداخلية. هذا الوضع قد يساهم في إرباك الدور الأذربيجاني في هذه العملية، خصوصاً إذا أصرّت إسرائيل على التصعيد واستمرت في تخريب الوضع الأمني في المنطقة.

التوقعات المستقبلية: مسارات غير واضحة

وعلى الرغم من كل هذه التعقيدات، لا تزال الاجتماعات بين الأطراف المختلفة في باكو تمثل فرصة لبناء خطوط عريضة لتفاهمات مؤقتة. قد تشمل هذه التفاهمات ترتيبات أمنية جديدة أو حتى إدارة مشتركة للجولان كمنطقة سياحية وزراعية تحت ضمانات أميركية، وهو ما سيخلق مساحة جديدة للتفاوض بين دمشق وتل أبيب. ولكن، يبقى الجولان ورقة تفاوضية مهمة في أي تسوية مستقبلية، اذ انه يعد نقطة الخلاف الرئيسة بين الطرفين.

أذربيجان كوسيط: التحديات والفرص

إمكانية استمرار أذربيجان في لعب دور الوسيط بين دمشق وتل أبيب تتوقف على عدة عوامل معقدة تتداخل فيها المصالح الجيوسياسية، والتحالفات الاقليمية والدولية، وكذلك الديناميكيات الداخلية في كل من أذربيجان وسوريا وإسرائيل. هناك عدة عناصر يجب أخذها في الاعتبار عند تقييم هذه الامكانية:

– الموقع الجغرافي والحياد النسبي لأذربيجان

أذربيجان تقع في نقطة استراتيجية بين إيران وروسيا من جهة، وتركيا ومنطقة القوقاز من جهة أخرى، ما يجعلها دولة ذات أهمية جيوسياسية كبيرة. علاوة على ذلك، تتمتع باكو بعلاقات قوية مع إسرائيل، ولكنها تحرص على تأكيد الحياد في معظم القضايا الاقليمية. هذا “الحياد” يمكن أن يمنح أذربيجان قدرة على العمل كوسيط مقبول من الأطراف المتصارعة. لكن في الوقت نفسه، قد تواجه باكو تحديات إذا بدأت الأطراف في التعامل معها كحليف لأحد الطرفين على حساب الآخر، ما قد يقوّض قدرتها على الحفاظ على هذا الدور.

– العلاقة الخاصة مع إسرائيل

أذربيجان تحتفظ بعلاقة خاصة مع إسرائيل، وهي علاقة تمتد إلى عقود وتستند إلى التعاون العسكري والتجاري، بما في ذلك شراء أسلحة وتقنيات متقدمة. لكن هذه العلاقة تضع أذربيجان في موقع حساس عند محاولتها التوسط بين سوريا وإسرائيل، بحيث أن هذه العلاقة قد تثير شكوك دمشق. من جانب آخر، ترى إسرائيل في أذربيجان بوابة استراتيجية تجاه الشرق الأوسط، وبالتالي فإن لديها مصلحة كبيرة في الحفاظ على هذه العلاقة وعدم تعريضها للخطر.

– العلاقة السورية مع إيران وروسيا

العلاقة السورية مع إيران وروسيا تعتبر أحد التحديات الكبرى في دور أذربيجان كوسيط. فإيران ترى في أذربيجان أداة في يد إسرائيل، ما يجعل دورها في الوساطة مع دمشق أكثر تعقيداً. إضافة إلى ذلك، روسيا، التي تعتبر الحليف الأبرز لسوريا، قد تكون غير مرتاحة لدور أذربيجان في المفاوضات بين دمشق وتل أبيب، خصوصاً في ظل التنافس الروسي-الغربي في المنطقة.

– التحديات الداخلية في أذربيجان

أذربيجان نفسها ليست بمنأى عن التحديات الداخلية التي قد تؤثر على قدرتها على الاستمرار في دور الوسيط. التوترات مع إيران بشأن تعاونها مع إسرائيل، والمطالبات الداخلية بتعزيز السيادة الوطنية على خلفية التدخلات الخارجية، يمكن أن تؤثر في موقف باكو السياسي. كذلك، قد يتعرض دور أذربيجان كوسيط للضغط الداخلي إذا شعر بعض الأوساط داخل البلاد أن هذا الدور يضر بمصالحه أو يعرضه لخطر الاستهداف من دول أخرى مثل إيران أو روسيا.

– دور تركيا في معادلة الوساطة

تركيا تمثل عاملاً حاسماً في هذه المعادلة. العلاقات التركية-الأذربيجانية قوية للغاية، وهذا قد يكون ميزة في حال تطلبت المفاوضات بين دمشق وتل أبيب مساراً إقليمياً آخر. إذا استطاعت تركيا التنسيق مع أذربيجان في هذا الدور، فقد يسهل ذلك تعزيز دورها كوسيط مقبول من جميع الأطراف. لكن، إذا تصاعدت التوترات التركية مع إسرائيل أو سوريا، فقد تجد أذربيجان نفسها مضطرة الى الاختيار بين طرفين.

– المصالح الأميركية والدولية

الولايات المتحدة تلعب دوراً حاسماً في دعم أو معارضة أي مسار تفاوضي في المنطقة. إذا كانت واشنطن ترى أن أذربيجان يمكن أن تسهم في عملية السلام بين سوريا وإسرائيل، فقد تدعم هذا الدور. ولكن، إذا كانت هناك رغبة أميركية قوية في فرض مسار تفاوضي يتضمن شروطاً محددة (مثل الاعتراف بإسرائيل أو وقف دعم إيران)، فإن أذربيجان قد تجد نفسها تحت ضغط للتنسيق مع القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة، وهو ما قد يعقد موقفها مع الأطراف الاقليمية الأخرى.

– البيئة الاقليمية المتقلبة

المنطقة بأسرها تشهد تحولات جيوسياسية مستمرة، بما في ذلك النزاع بين أرمينيا وأذربيجان، وتوترات مستمرة بين إيران وتركيا، وحروب بالوكالة، ما يخلق بيئة متقلبة قد تؤثر على قدرة أذربيجان على الاستمرار كوسيط بين دمشق وتل أبيب. أي تصعيد إقليمي جديد أو تدخل خارجي قد يعرّض جهود الوساطة لخطر الانهيار. وبالتالي، سيكون من الضروري أن تبقى أذربيجان مرنة في مواقفها وتتكيف بسرعة مع التغيرات المستمرة في المنطقة

إمكان استمرار أذربيجان في لعب دور الوسيط بين دمشق وتل أبيب ليس مستحيلاً، ولكنه مشروط بعدد من العوامل المعقدة. إذا استطاعت أذربيجان الحفاظ على حيادها وتعزيز علاقاتها مع الأطراف الرئيسية في النزاع، فقد تتمكن من بناء ثقة كافية للوساطة. لكن في ظل التوترات الاقليمية المتزايدة، وعلاقاتها الوثيقة مع إسرائيل، ووجود لاعبين مثل إيران وروسيا، فإن دورها كوسيط قد يواجه تحديات كبيرة. سيكون من الضروري بالنسبة الى أذربيجان أن تحافظ على توازن دقيق بين مصالحها الاقليمية والدولية لضمان استمرارية هذا الدور.

على الرغم من هذه التحديات، يظل دور أذربيجان في الوساطة واعداً إذا تمكنت من استثمار مكانتها الجيوسياسية بصورة حكيمة. ومع تطور العلاقات مع سوريا، قد تفتح هذه الجهود الباب نحو تسوية محتملة بين دمشق وتل أبيب، شريطة أن تستطيع أذربيجان إدارة هذه العلاقات المعقدة بحذر. في النهاية، يبقى نجاح أذربيجان كوسيط مرهوناً بقدرتها على الحفاظ على حيادها وبناء الثقة مع جميع الأطراف المعنية، وهو ما سيسهم في تحقيق استقرار إقليمي مستدام في المستقبل.

شارك المقال