“أربعينية الحسين” في قبضة احتكار “الحزب”؟

لبنان الكبير

مع اقتراب ذكرى أربعينية الامام الحسين في 16 آب المقبل، يستعد آلاف اللبنانيين من محبّي “أهل البيت” للتوجه إلى كربلاء، في رحلة إيمانية تحمل في طيّاتها بعداً روحياً عميقاً، لكنّها تصطدم، كالعادة، بعقبات دنيوية بحتة: الفوضى، الاحتكار، التلاعب بالأسعار، والتواطؤ الرسمي أو الصمت المتواطئ.

احتكار بغطاء حزبي

بحسب معلومات موقع “لبنان الكبير”، أبرمت شركة الخطوط الجوية العراقية عقد احتكار مع مكتب “الدقدوق” للسياحة والسفر، وهو جهة محسوبة مباشرة على “حزب الله”. هذا الاحتكار لا يقتصر على استلام الحصص الأكبر من التذاكر وحسب، بل يمتد إلى إدارة سوق السفر إلى العراق بصورة شبه كلية. اللافت أن المكتب نفسه يمتلك وكالة تمثيل لشركة “أور العراقية”، ما يعني أنه ينافس نفسه شكلياً بينما يحتكر السوق فعلياً.

نتيجة هذا الوضع، ارتفعت أسعار الرحلات إلى النجف بصورة غير مبرّرة، من 380 إلى أكثر من 500 دولار، فيما تسجّل أسعار “طيران الشرق الأوسط” نحو 600 دولار. وهذه الأرقام، مقارنةً بما يدفعه مسافر أوروبي لرحلة مماثلة، تكشف غياب المنطق في التسعير، ووجود شبهة استغلال ديني – تجاري للناس تحت ستار “زيارة العتبات المقدسة”.

تجاوزات بالجملة.. والدولة تسجّل اعتراضاً على الورق

تكرّر اسم محمد الدقدوق، وكيل “فلاي بغداد”، حين طلب تنظيم 50 رحلة إضافية خلال موسم الأربعين في 2023، فقوبل طلبه برفض رسمي واضح من المديرية العامة للطيران المدني، لعدم قدرة المطار على استيعاب هذا العدد. لكن الدقدوق لم يأبه بالمراسلات الثلاث التي وصلته، ومضى في بيع التذاكر، مثيراً فوضى كبرى، وصلت إلى حدّ التحريض على التظاهر أمام مطار رفيق الحريري الدولي.

لم تكن هذه مجرد تجاوزات إدارية، بل وقائع خطرة مسّت الأمن العام والمصلحة العامة، دفعت المديرية العامة للطيران المدني الى إصدار بيان في 26 آب 2023، حمل لهجة غير مسبوقة، أكدت فيه حرصها على سلامة الزوار، وكشفت مخالفات الدقدوق بالأسماء. كما طالبت الشركة الأم، “فلاي بغداد”، باتخاذ إجراءات بحق وكيلها.

ومع ذلك، لم نرَ أي تحرّك قضائي، أو إجراء إداري فعلي يضع حدّاً لتكرار المشهد. وكأن ثمّة “حُرماً” غير معلن يمنع المساس بمكاتب السفر المحسوبة على “حزب الله”، حتى لو تمادت في الفوضى.

الحج الشيعي بلا حماية رسمية

في لبنان، لكل طائفة موسمها المقدّس، ولكل فئة أمنياتها في ممارسة شعائرها بحرية وكرامة. لكن أبناء الطائفة الشيعية، وهم في طريقهم إلى كربلاء، يجدون أنفسهم رهائن لوكالات حزبية تمارس الاحتكار بلا محاسبة، وتُبقي الحجاج تحت رحمة التسعير العشوائي، والتنظيم السيئ، وغياب الدولة.

المفارقة أن لا أحد يجرؤ على التعرّض لحملات الحج المسيحية إلى الفاتيكان أو الاسلامية إلى مكة، لأنّها تتم ضمن إشرافات دقيقة، ومؤسسات رسمية أو كنسية معروفة. أما في حالة كربلاء، فالدولة تفضّل الصمت، فهل هو خوف من الاصطدام مع “حزب الله” حتى لو تُرك الحجاج الشيعة في مهبّ الفوضى؟

رسامني أمام لحظة مسؤولية

تتجه الأنظار اليوم إلى وزير الأشغال العامة والنقل، فايز رسامني، وهو الآتي من خلفية مستقلة لا حزبية. هل سيجرؤ على فتح هذا الملف الشائك؟ هل يتحرك لمساءلة شركة الخطوط الجوية العراقية، ومكتب الدقدوق، ومحاسبة من يخالف الأنظمة الرسمية؟

إنّ صمته، إذا استمر، سيعني ببساطة أنّ “الدولة” لم تعد سوى شريك مضمر في الفوضى، تغطّي المخالفات السياسية والحزبية باسم “الاستقرار”، على حساب كرامة مواطنيها، وحُرمة مناسباتهم الدينية.

الدولة أسيرة المحميّات السياسية

ما يجري في ملف زيارات الأربعين لا يعبّر عن أزمة موسمية فحسب، بل يكشف عمق المرض اللبناني: تحوّل المؤسسات العامة إلى أدوات صورية، تُعطَّل إرادتها أمام سطوة “المحميّات” الطائفية والحزبية. وما لم يتحرّك وزير النقل، وتُفتح ملفات الاحتكار والمخالفات، فإنّنا مقبلون على فوضى جديدة في آب المقبل، لن تُحاسب فيها مكاتب السفر، بل سيُلام الزائر نفسه… لأنه أراد فقط أن يزور كربلاء.

شارك المقال