مجموعات مسلّحة وبؤر أمنية… الشمال يتصدّى للشائعات

إسراء ديب

يستغرب أهالي الشمال التصريحات التي أدلى بها المحامي نبيل الحلبي قبل ساعات عبر وسائل الإعلام، والتي تحدّث فيه عن وجود 20 مجموعة مسلّحة وبنى عسكرية كبيرة وخطيرة تابعة لحزب الله في الشمال، تمتدّ من الكورة إلى عكّار، كما أشار إلى منطقة جبل محسن في طرابلس، قائلًا إنّها “تحتوي على بؤر أمنية وتُعدّ مرتعًا لفلول الأسد ومطلوبين بتهم التفجيرات”.

ومن منطقة جبل محسن، عبّر عضو مجلس بلدية طرابلس وابن الجبل، المحامي عادل عثمان، عن صدمته بتصريحات الحلبي التي وصفها بـ “التحريضية”، معتبرًا إيّاها أنّها ادّعاء كاذب وخطر ولا تستند إلى أيّ دليل، وتُشكّل افتراءً وتحريضًا يُهدّدان السلم الأهالي في المدينة. وفي بيانٍ له، أكّد عثمان أنّ التصريحات لا تمسّ جبل محسن وحده بل الشمال بأكمله، محمّلًا الحلبي المسؤولية القانونية والأخلاقية كاملة لما صدر عنه. وأضاف: “نضع تصريحاته بمثابة إخبار رسمي أمام الأجهزة الأمنية والقضائية المختصّة، لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه والتحقّق من الدوافع والأهداف. وأهالي جبل محسن لن يسمحوا لأحد بتشويه سمعتهم أو اللعب بأمن واستقرار منطقتهم لأغراض سياسية أو إعلامية رخيصة”.

في الواقع، يمرّ أبناء الطائفة العلوية في الشمال بمرحلة مفصلية منذ سقوط النّظام السوري. وقد احتدمت هذه المرحلة بعد نزوح أعداد كبيرة من العائلات السورية من الطائفة نفسها إلى مناطق عكّار وجبل محسن. وأدّى هذا النزوح إلى انتشار موجة من الشائعات التي ارتكزت على محوريْن: الأوّل، اتهام السوريين بأنّهم فلول للنّظام السابق ويحملون أسلحة بهدف زعزعة استقرار الدّاخل اللبناني، والثاني، الإشارة إلى وجود مجموعات مسلّحة في منطقة جبل محسن تحديدًا، تعمل على التحضير لهجوم يُهدّد الاستقرار في البلاد. وقد نفت الطائفة هذه الشائعات نفيًا قاطعًا على الصعيديْن الدّيني والسياسيّ.

المفارقة، أنّ الكلام الذي صدر عن الحلبي هذه المرّة، والذي قد يكون منقولًا عن أوساط شمالية، ليْس الأوّل من نوعه، لكنّه جاء عقب أمريْن: أوّلهما، بعد يوميْن من الإشكال الذي وقع في الكورة (التي ذكرها الحلبي)، وذلك على خلفية استفزاز أحد المدعوين للحضور بإطلاق تحيّة إلى الرّئيس السوري المخلوع بشار الأسد، وثانيهما، بعد يومٍ على مشاركة رئيس المجلس الإسلامي العلوي الشيخ علي قدّور في احتفال العيد الوطني الخامس والتسعين للمملكة العربية السعودية الذي أقامته سفارة المملكة في بيروت. وتأتي هذه المشاركة عقب زيارة قام بها سفير المملكة وليد البخاري إلى جبل محسن في شهر كانون الثاني، ممّا يُشير إلى العلاقة الجيّدة بيْن الطرفيْن، والتي ستتطوّر حُكمًا بعد زيارة مرتقبة سيُجريها البخاري إلى جبل محسن، وفقًا لمعطيات لـ “لبنان الكبير” من الجبل.

ميدانيًا، أثارت تصريحات الحلبي غضب أبناء جبل محسن. أمّا في طرابلس، فلم يكن لتصريحاته وقع كبير، إذْ أرهقت جولات العنف المتكرّرة، والتي تجاوزت العشرين، أهالي المدينة أساسًا.

في حديثٍ لـ “لبنان الكبير”، أبدى مختار جبل محسن عبد اللطيف صالح استغرابه من المعطيات التي قدّمها الحلبي، داعيًا إيّاه لزيارة جبل محسن لاكتشاف المنطقة وسكّانها، وللإجابة عن كلّ ما يُثير شكوكه.

ويقول: “مع الأسف، كلام المحامي اليوم يتعارض مع واقع اليقظة الأمنية التي تبذل الأجهزة بجدّية جهودها لترسيخها أخيرًا، وهي موجودة بكثافة في الجبل، أمّا نحن، فلا مصلحة لنا في هذه الشائعات التي سبق أنْ نفيناها. إنّ أيّ معركة في طرابلس اليوم، وهي مستحيلة، تتطلّب طرفيْن متنازعيْن، ونحن لسنا في نزاع مع أحد. وفي ظلّ غياب الحزب العربي الديمقراطي برئاسة رفعت عيد، الذي كان متواجدًا سابقًا، لا يوجد مبرّر لكلّ هذه الافتراءات، خصوصًا أنّنا قد سلّمنا، في أكثر من مناسبة، أيّ شخص متورّط في زعزعة الأمن الوطني والسلم الأهلي في بلدٍ يُعاني أساسًا من التوترات”.

ويستذكر مصدر من عكّار عملية نوعية جرت قبل أيّام قليلة في منطقة تل حياة، حيث داهم مكتب مكافحة الإرهاب في الشمال أحد أوكار تجارة السلاح وضبط كمّيات ضخمة من القنابل اليدوية وقذائف الـ “آر بي جي” (الآنيرغا).

ويقول: “لم نسمع حينها أيّة تأويلات أو تفسيرات طائفية للعملية النّوعية التي وقعت في الوقت ذاته في زغرتا. لكن بالمقابل، لم تحدث هذه العملية مثلًا في المناطق التي يقطنها أبناء الطائفة العلوية، والتي استقبلت العديد من العائلات السورية، وهي: تل عباس، الحيصة والمسعودية، حكر الضاهري، تل بيري، تلحميرة، السماقية، وضهر القنبر، لكن وقعت العملية في تل حياة التي يقطنها علويّون وسنّة معًا، ممّا قد يُخفّف وطأة الشائعات، وقد يدفع عنّا خطر العدو الإسرائيلي الذي يُوحي إليْه البعض بضرب مناطقنا”.

شارك المقال