تصعيد خطاب نعيم قاسم: رد على التحركات الدبلوماسية المصرية في لبنان

خالد العزي

لا شك أن خطاب نائب الأمين العام لـ”حزب الله”، نعيم قاسم، في 28 تشرين الثاني جاء في سياق تصعيدي واضح، ويرتبط بشكل مباشر بالتحركات الدبلوماسية النشطة التي يقوم بها وزير الخارجية المصري، بدر أحمد محمد عبد العاطي، إلى لبنان. هذه التحركات، التي جاءت في إطار محاولة مصر لتخفيف التوترات بين لبنان وإسرائيل، قد أسفرت عن وصول رسالة من الحزب إلى الرؤساء اللبنانيين الثلاثة، تتضمن تحذيرًا بعدم المساس بسلاح الحزب.

التحركات المصرية ودور مصر في لبنان

من المعروف أن مصر تلعب دورًا محوريًا في الشؤون الإقليمية، خاصة في ملف الصراع العربي الإسرائيلي. في الآونة الأخيرة، وعقب التصعيد العسكري في غزة، تزايدت التحركات الدبلوماسية المصرية في المنطقة. زيارة رئيس المخابرات المصرية، اللواء حسن رشاد، إلى لبنان، والتي حمل خلالها أفكارًا تشير إلى استعداد مصر للعب دور الوساطة بين لبنان وإسرائيل، تُعد مؤشرًا على تطور الموقف المصري. وبحسب المصادر، فإن الرسالة التي نقلها كامل، والتي تناولت إمكانية تخفيف التوتر اللبناني – الإسرائيلي من خلال قنوات تواصل مباشرة أو غير مباشرة، تشير إلى رغبة مصر في التوصل إلى تسوية تحفظ الأمن الإقليمي.

هذه الخطوة المصرية تأتي في سياق فشل العديد من الأطراف الإقليمية في لعب دور الوساطة الفعّال، وهو ما يفسر موقف مصر الذي يعكس خبرتها الطويلة في التفاوض حول قضايا مشابهة، وعلى رأسها جهودها السابقة في الوصول إلى وقف إطلاق النار في غزة، بالتعاون مع قطر والولايات المتحدة.

رد فعل “حزب الله”: تصعيد سياسي وعسكري

رد “حزب الله” على التحركات المصرية جاء سريعًا ومباشرًا عبر خطاب نعيم قاسم. الحزب، الذي يواجه ضغوطًا إقليمية ودولية متزايدة، لا يمكن أن يتجاهل محاولات أي طرف خارجي التدخل في مسائل أمنه وسلاحه. وقد تمثل هذا الرد في التأكيد على أن حزب الله لن يسمح بأي تدخل من قبل أي دولة كانت في شأن سلاحه، خاصة في ظل التهديدات الإسرائيلية المتواصلة ضد لبنان. في هذا السياق، لا تقتصر رسالة الحزب على الرؤساء اللبنانيين فقط، بل تشمل أيضًا الرسالة السياسية التي يريد الحزب إيصالها للمجتمع الدولي.

الملابسات الإقليمية وأبعاد الصراع اللبناني – الإسرائيلي

بالتوازي مع هذه التصعيدات، يبقى الصراع اللبناني – الإسرائيلي جزءًا من المشهد الإقليمي المعقد الذي يشهد استمرار التوترات على الحدود. ويأخذ هذا الصراع أبعادًا أكبر مع التحركات الإقليمية والدولية المختلفة. ففي الوقت الذي تسعى فيه مصر إلى تقليص التصعيد، ونجاحها جزئيًا في وقف إطلاق النار في غزة، يبدو أن “حزب الله” لا يمكنه بأي حال من الأحوال قبول أي تدخل في موازين القوى الداخلية اللبنانية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بجماعات مقاومة مثل الحزب الذي يراهن على سلاحه كخط دفاع رئيسي ضد أي تهديدات إسرائيلية.

محاور التصعيد في خطاب نعيم قاسم: رسائل متعددة الاتجاهات

لم يكن خطاب الشيخ نعيم قاسم في 28 تشرين الثاني مجرد ردّ على التحركات المصرية، بل حمل مجموعة من الرسائل التصعيدية التي أراد الحزب تثبيتها في هذه المرحلة الحساسة. فقد أقرّ الشيخ نعيم قاسم دور “حزب الله” العلني في التدريب والتسليح في اليمن، وكذلك في سوريا، مؤكدًا هذا الدور دون مواربة، ولافتًا إلى فعالية القيادي هيثم الطبطبائي في تنفيذ مهام الحزب في هاتين الساحتين، وهو ما يشكّل اعترافًا مباشرًا بامتداد الدور العسكري للحزب خارج لبنان.

كما اعترف قاسم بوقوع اختراق أمني داخل البيئة الحاضنة للحزب، وهي بيئة تعاني أساسًا من خسائر بشرية كبيرة نتيجة انخراط الحزب في المواجهات المختلفة. وقد حمّل الشيخ نعيم قاسم استخبارات عربية – وليس فقط الأميركية والإسرائيلية – مسؤولية هذا الخرق، معتبرًا أن هذه الأجهزة قد لعبت دورًا مباشرًا في عملية الاغتيال الأخيرة، ومؤكدًا أن الحزب سيردّ عليها في الوقت المناسب.

وفي سياق تثبيت “محور الساحات”، وجّه قاسم شكرًا واضحًا لليمن “الحوثي” وإيران والعراق “فصائل الحشد” والفصائل الفلسطينية المرتبطة بالمشروع الإقليمي الذي يسعى الحزب إلى إعادة تفعيله في مواجهة إسرائيل. هذا الشكر لم يكن بروتوكوليًا، بل جاء كرسالة سياسية تشير إلى أن الحزب يرى نفسه جزءًا من جبهة إقليمية متكاملة، تتحرك بتنسيق مشترك وتعتبر لبنان إحدى ساحات الصراع.

المقاومة وأمن لبنان: تحميل الحكومة المسؤولية

وشدد قاسم على النصر والصمود، مؤكدًا أن الحزب ما زال قادرًا على فرض معادلة الردع، وأن “المقاومة” هي التي تحفظ أمن لبنان، وليس الدولة. وفي هذا السياق حمّل الحكومة اللبنانية مسؤولية حماية المواطنين، مشيرًا إلى أن الاعتداء الإسرائيلي يستهدف كل لبنان بما في ذلك رئيس الجمهورية الذي – برأيه – يتصرف بحكمة، والجميع يعترف بذلك، بينما يرى أن الحكومة غائبة. وقدّم قاسم ثلاث آليات يعتبرها الحزب أساسية في منظومة الردع والدفاع عن لبنان: “الحماية، والتحرير، وزعزعة استقرار العدو”.

غير أن الرسالة الأبرز كانت سعيه إلى تحميل الحكومة مسؤولية عدم الاستقرار، مقابل تظهير حزب الله على أنه الجهة الوحيدة القادرة على فرض الأمن عبر توازن الرعب. هذا الرابط الذي بناه قاسم بين سلاح الحزب والردع يهدف إلى القول إن السلاح باقٍ، لأن “مشكلة إسرائيل ليست مع لبنان الدولة، بل مع سلاح المقاومة”، وبالتالي فإن السلاح، من وجهة نظر الحزب، ليس عبئًا على الدولة بل ضرورة وجودية تحمي البلاد في ظل ما يعتبره الحزب عجزًا حكوميًا ودوليًا عن القيام بهذه المهمة.

“يتضح أن خطاب نعيم قاسم يمثل ردة فعل حاسمة على التحركات الدبلوماسية المصرية في لبنان، والتي تهدف إلى تقليل التوترات بين لبنان وإسرائيل من خلال الوساطات الإقليمية. في هذا الإطار، تبرز عدة دلالات: أولًا، أن حزب الله لن يقبل المساس بمصالحه الاستراتيجية المتعلقة بسلاحه. ثانيًا، أن لبنان لا يزال في قلب الصراع الإقليمي، حيث تتداخل الأبعاد السياسية والعسكرية في لعبة المصالح الكبرى. ومن هنا، يسعى كل طرف لضبط تحركاته في إطار الحفاظ على قوته وحفظ توازن القوى في المنطقة.

إذاً، بعد خطاب الأمين العام لحزب الله، هل يمكن القول إنها كانت خطوة حاسمة بخروج الحزب من اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم صياغته بين الحزب وإسرائيل برعاية الدولة اللبنانية وأميركا؟ هذا الاتفاق أدى إلى تعديل القرار 1701، الذي مهّد لوقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024.”

شارك المقال