تتزايد شكوك الشماليين اليوم حول قدرة دولتهم على تسليم عناصر فلول النّظام المخلوع الذين وثّقت أكثر من منصّة إعلامية، وآخرها “الجزيرة”، وجودهم في لبنان لا سيّما شمالًا، ومحاولتهم تنفيذ عمليات أمنية خطيرة تستهدف أمن سوريا بدءًا من لبنان.
وعلى الرّغم من المداهمات التي نُفّذت منذ ساعات في بلدات عكّارية ذات غالبية علوية، وكذلك في جبل محسن- طرابلس، والتي استهدفت مواقع وملاجئ للنّازحين السوريين، يرى أبناء الشمال أنّ هذه التحرّكات الأمنية “الخاطفة” لم تكن سوى “حبوب مهدئة” للتخفيف من الضجّة التي أُثيرت حول قضيةٍ تحوّلت إلى رأيّ عام لم يقتصر صداها على الشمال فحسب، بل وصل إلى سوريا التي تُحاول القبض على الفلول لمحاسبتهم على جرائمهم ضدّ الشعب السوريّ.
وبعد هذه المداهمات التي وثّقها بعض المتابعين بصورٍ تُؤكّد حدوثها، وبغياب أيّ بيان أمنيّ من قيادة الجيش يُوضح تفاصيلها (سوى ما نُشر وأفاد بأنّها “في سياق الملاحقة المستمرّة للمطلوبين والمخلّين بالأمن”)، فهي لم تُسفر عن توقيفات أو اعتقالات، وهذا ما تُؤكّده مصادر متابعة لـ “لبنان الكبير”، مشيرة إلى أنّ الأخبار المتداولة عبر مواقع التواصل حول وقوع ما بيْن أربع إلى خمس اعتقالات، خصوصًا في الجبل، هي غير صحيحة.
وتُؤكّد مصادر سياسية وحقوقية وجود فلول النّظام شمالًا، وذلك على الرّغم من نفي فعاليات هذه المناطق المتهمة بإيوائهم لهذه المعطيات، وعلى رأسها فعاليات جبل محسن التي تُؤكّد أنّ الفلول أنواع، “بعضهم فرّ إلى روسيا وغيرها، ولم يبقَ في المنطقة لأنّه غنيّ أساسًا ويخشى من الملاحقة”، مؤكّدة أنّ الجبل لن يسمح ببقائهم لتفادي تورّطه في مصالح لا تخدمه. في المقابل، تُشير وقائع يتداولها ناشطون، إلى وجود ثغرات أمنية شمالًا تُخفي الفلول ولا تُلقي القبض عليهم، ومن اللافت فعلًا، أنّ النّاشطين يمتلكون معطيات مثيرة للجدل، تطرح علامات استفهام حول كيفية حصولهم عليها وسبب تجاهل الجهات المعنية لهذا الأمر.
المحامي محمّد صبلوح الذي يتولّى متابعة الملف، يُقارن في حديثه لـ “لبنان الكبير” بيْن مداهمة جبل محسن أو الحيصة العكّارية قبل ساعات، ومداهمات سابقة في منطقة باب التبانة تحديدًا استهدفت حينها إلقاء القبض على مطلوبٍ واحد فيها. ويقول: “استُخدمت في التبانة آليات عسكرية وكتيبة كاملة، فيما كانت المداهمة في المنطقتيْن بسيطة مع أنّ المطلوبين فيهما أخطر بكثير، وقد ذُكروا في تقارير إعلامية تُثبت وجودهم وتحضيرهم لعمليات عسكرية، ولم يتضح ذلك عبر الجزيرة وغيرها فحسب، بل هذا ما يُؤكّده الأهالي أيضًا”، لافتًا إلى أنّه لولا هذه التغطية الإعلامية المكثّفة أخيرًا، لما جرت المداهمات أساسًا”.
ويُضيف: “لبنان اليوم في أخطر مراحله الأمنية ونحن مقبلون على سيناريو مقلق، والخطر يكمن في وجود هؤلاء المجرمين في مناطقنا بهدف زعزعة أمن سوريا، وإذا لم تتحرّك الدّولة، ممثّلة برئيسيّ الجمهورية والحكومة، فسنكون متواطئين معهم في ما يفعلونه، وكيف ننسى مثلًا أنّه منذ شهريْن تقريبًا، تعرّض الضابط في الفرقة الرابعة عشرة بالجيش السوري محمّد عبد الرّحمن سليمان، المعروف بـ “غدير الحوري”، لإطلاق نار في جبل تُربل شمالًا عقب استدراجه إلى المنطقة، ونُقل بسيارات الجيش إلى مستشفى سيّدة زغرتا، وهو من فلول الأسد، ولم نتوصّل إلى تفاصيل التحقيقات التي أُجريت معه حتّى الآن، وهو ما زال موجودًا في لبنان، ألا يُثير هذا الفعل وردّ الفعل استغرابنا؟”.
ويُتابع: “أمامنا خياران قانونيان: إمّا ترحيلهم إلى دولتهم التي مدّت يدها إلينا أكثر من مرّة لمحاسبتهم، أو محاكمتهم في لبنان خشية تعرّضهم للتعذيب، وهذا ما يقتضيه القانون عمومًا، أمّا هؤلاء، فلا يجوز السكوت عنهم أو الاكتفاء باستعراضٍ وهميّ أو فارغ لبعض الأجهزة، خصوصًا في ظلّ هذا الصمت الدينيّ والسياسيّ المريبيْن”.
ويختم قائلًا: “إذا سقط النّظام في سوريا، فإنّه يمتلك وجودًا فعليًا في لبنان، ونخشى أنْ يكون هناك من يتآمر عندنا لتغطية أفعاله من تحت الطاولة، خصوصًا أنّ الأمر الواقع ما زال تحت سيطرة رجال الأسد وحزب الله الذي يتحكّم بمفاصل الدّولة، ولا يُعقل اليوم أنْ تُصدر المخابرات السورية بياناتها وتُعطي عناوين للقبض على الفلول، وأنْ يُصدر القضاء الفرنسيّ استنابات قضائية ولا يستجيب لهما أحد، من هنا، نتساءل، أين هو الحس الأمنيّ الاستباقي الذي دفع الدّولة إلى إلقاء القبض على شبابنا مسبقًا؟ ولماذا لا يُستخدم اليوم مع المجرمين الداعشيين الحقيقيين، وهم من يُجهّزون ويُمهّدون لعمليات داعشية تستهدف الرّئيس السوري أحمد الشرع وكلّ سوريا لتقسيمها”.


