​إعدام سام أبو هيكل والذريعة

الراجح

​وأنا في أقسى درجات الخذلان والإحباط، وفي غمرة البحث مجدداً عن الحقيقة التي اعتقدتُ أني وصلتُ إليها وآمنتُ بها يقيناً، قرأتُ وعلمتُ بقصة إعدام سام أبو هيكل.
​الاسم: سام فهد أبو هيكل
​العمر: سبعة أشهر
​الحالة: قُتل برصاصة في الرأس
​الفاعل: قناص في الجيش الإسرائيلي
​مكان الجريمة: الخليل
​وقبل الخليل، كم من مكان —أو الأصح كم من الأمكنة— شهد مثل هذه الفظائع في فلسطين، وفي جنوبنا اللبناني؟
​الرضيع سام أبو هيكل لم يُقتل بفعل انهيار مبنى قصفته طائرات “جيش الدفاع”، ولا بفعل شظايا رصاص أمطرت خيام الإيواء، ولا بموتٍ ناتج عن الجوع كما مات كثيرون قبله في غزة ولاحقاً في لبنان. مات سام بفعل رصاصة تخيرت هدفها بدقة، أطلقها قناص —ينتمي إلى ذاك “الجيش الحضاري” الذي نسعى للسلام معه— من على بعد أمتار قليلة، لتخترق رأسه الصغير.
​مات الرضيع في عملية إعدام لطفولة مبكرة جداً. ولا يتحمل مُطلِق النار وحده المسؤولية عنها، بل تتحملها إسرائيل التي سجل جيشها “الحضاري” ومستوطنوها أعلى رقم قياسي في القتل، وأطول زمن احتلال بقوة السلاح؛ هذا السلاح الذي لم ينتج إلا حروب إبادة بالجملة وبالتقسيط، في أفظع مآتم القرنين العشرين والحادي والعشرين.
​القتل في زمن الاحتلال لا يحتاج إلى ذريعة، فما هي ذريعة إعدام رضيع وهو في حضن أمه؟ وماذا بوسع الإنسانية أن تفعل كي يكون سام هو القتيل الأخير؟
​هل يعلم الرئيس ترامب أن القاتل أعدم الرضيع مبرراً جريمته بجملته المتكررة: “من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها”؟ إسرائيل —كما يصفها رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو (المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية) وكثيرون غيره— هي واحدة من أقوى دول العالم، وجيشها من أعظم الجيوش، واقتصادها من أمتن الاقتصادات. ولكن، ماذا بوسع نتنياهو أن يقول عن إعدام سام ابن الشهور السبعة؟ هل سيقول إن الرضيع “معادٍ للسامية”؟!
​هل سيعترف بأن “الدولة التي يتباهى بتميزها وعظمتها” خافت من رضيع فقتلته؟ وهل سيعترف بأن تمسك دولته بآخر احتلال في القرن الحادي والعشرين —والذي لم ينتج إلا القتل والإبادة، ولم ينجُ منه بشر، ولا زرع، ولا مدن، ولا قرى— هو انحدار أخلاقي مطلق قبل أن يُسمى عملاً حربياً؟
​من الخليل في فلسطين إلى جنوب لبنان، نرى أولئك الهاربين بأرواحهم من جحيم الوقت، يحملون تاريخاً مفصلاً لحياتهم في تلك المنطقة من الوطن في الجنوب وفي فلسطين؛ لكل أولئك الذين يركضون نحو البعيد، منتشين بالخيبة وعيونهم مقاصل لأحلام لم تكتمل، بين الأرض والسماء يتأرجحون… أرض تحترق، وسماء تأخر غيثها.
​أذكر مع الطفل سام أطفال الجنوب الثلاثة؛ أصغرهم مع قطتها الصغيرة، وقيثارة الوسطى، وكبيرتهم مع بعض كتبها، في محاولة للنجاة من الموت.. محاولة لم تنجح.
​يقول غسان كنفاني: “كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقاً صغيراً يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود”، فكيف إذا كان هذا الطفل.. مقتولاً؟

شارك المقال