خطورة أميركا الضعيفة!

سياسة 31 كانون الثاني , 2022 - 12:03 ص

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

أميركا القوية مشكلة لبعض العالم لكن اميركا الضعيفة تبدو كارثة لكل هذا العالم.

ما يفعله فلاديمير بوتين منذ انهى مرحلة التمسكن حتى التمكن وشرع في اعادة بناء الامبراطورية الآفلة، يدل على انه "حريص" تماما على انتهاز فرصة ما يعتبره اميركا المنهكة... الذاهبة الى الانسحاب من معارك متفرقة لتجميع قواها في مواجهة الخطر الصيني الناهض، الفعلي والخطير وغير المسبوق.

يفترض ساكن الكرملين ان الهم الصيني هذا يطغى على غيره من هموم شرطي العالم أكانت هذه تتصل بالشرق الاوسط الكبير ومن ضمنه ايران وسلوكها ومشروعها النووي، او بأوروبا العتيقة وطموحات الكرملين الإحيائية… وان واشنطن "تعاني" من آثار اكلاف حربي افغانستان والعراق (المالية اولا واساسا) وتبعات المناخ الانقسامي الداخلي الذي اظهره دونالد ترامب وبشكل لم يكن احد يتصوره في اقوى واغنى واعظم دولة في التاريخ... انقسام اعاد فتح نقاش كان يُركن في خانة الخيال العلمي حتى الامس القريب فاذ به صار او يكاد خيارا واردا بالحسابات المنطقية الناشفة وهو المتصل بسؤال مركزي مفاده: هل تبقى الولايات المتحدة، متحدة!؟ ام تُدمج في سردية الافول الاثيرة التي عنت وتعني بدء سقوط الامبراطوريات العظمى في اللحظة التي تصل فيها الى ذروتها!

وقد يكون من المبكر جدا اعطاء قيمة "علمية" لهذا السؤال الخطير او تقديم فروض الاحترام لسائليه، لكن مجرد طرحه او التفكير به يدلان على مدى عمق المأزق الداخلي الاميركي وعلى استنتاجات تأتي من أداء الادارة الاميركية نفسها... منذ ايام السيء الصيت باراك اوباما الى ترامب وصولا الى جو بايدن. وهو أداء انكفائي واضح وان اختلفت طرق التعبير عنه. وهذا الاداء المكشوف انتج في المنطقة العربية والاسلامية خلاصات فتاكة: انسحاب تام غير معلن من قصة النزاع العربي الاسرائيلي والامتناع عن التدخل في مساره الاّ بما يخص الشؤون الاستراتيجية والمصيرية وهذه لم تعد تشمل ملكة "فرض" شروط التسوية او حتى التواضع والبحث في تفاصيلها! ثم الانسحاب من مقاربة القضية السورية بجدية معقولة! ثم الانسحاب المبهم من خيارات مواجهة صادّة وحاسمة لمشروع ايران التمدّدي والتخريبي في جوارها الممتد من افغانستان شرقا إلى شواطئ المتوسط غربا! ثم مواصلة السير بهدوء على طريق تخفيف أعباء "حماية" أوروبا مع اختلاف في وتيرة ذلك النكوص: كان ترامب يقفز كالارانب ويمسرح خطواته تبعا لشغفه بالبهرجة والاعلام، في حين ان بايدن يمشي على الطريق عينه لكن بروية تشبه روية السلحفاة! وهو الذي حصد اصلا ما زرعه سلفه الجمهوري لجهة زيادة حصة الاوروبيين في موازنة حلف الناتو وفاتورة الحماية العسكرية بالاجمال!

والبعض يقول أن الاداء الاميركي في مفاوضات فيينا يعكس ذلك المسار الانحداري في السطوة والنفوذ ووهج القوة الكاسحة… وان واشنطن تقدم إشارة واضحة على انعدام رغبتها في الدخول الى مواجهة كبيرة اخرى وتحويل المعركة مع ايران الى حرب... لكن هذا الاستنتاج المنطقي بالمناسبة، لا يسري على القضية الايرانية المطروحة: موضوع القنبلة النووية الافنائية يبقى خارج حسابات الربح والخسارة التقليدية، بل هو قضية حياة او موت! ولا يمكن اي ادارة في البيت الابيض ان تتهاون في مقاربته او التعامل معه… وصحيح ان طريقة التفاوض تدل على شيء تهدوي لكن الخلاصات العامة غير هذا تماما... ويُفترض بالمفاوض الايراني ان يتأكد من ذلك وان لا يصدق أوهام الضعف الاميركي هنا! وهو الذي يعرف، في كل حال ان مشروعه النووي غير مقبول حتى من بكين وموسكو! بل لا توجد دولة واحدة مقتدرة او متواضعة، شرقا وغربا، تقبل او ترضى بذلك الطموح الافنائي الايراني!

وليست الصين بعيدة عن الاستنتاج البوتيني، وتحاول بدورها انتهاز الفرصة و"تصحيح" خطأً جغرافي وتاريخي يتصل بتايوان "وضرورة "عودتها الى السيادة المركزية في بكين بعد ان تمت عودة هونغ كونغ من منظومة السيطرة البريطانية اواخر القرن الماضي!

لكن الفارق الجوهري بين انتهازية بكين وانتهازية موسكو هو ان الاولى خارج المدار القومي الصيني، تذهب الى فتح العالم بالمال والتنمية على الرغم من كل التباسات ذلك المسار، في حين ان الثانية تعتمد البلطجة نهجا والقوة التخريبية وسيلة فضلى! وهذه القوة متعددة الأشكال: لا تخرج عن مدرسة حرق الارض بما عليها في المعارك العسكرية لكنها لا تكتفي بها بل تذهب الى آليات قديمة بنمط حديث: تلاحق المنشقين والمعارضين في الخارج وتستهدفهم بالقتل! ثم تستخدم تكنولوجيا الاتصالات باعتبارها سلاحا تاما ومبررا... وباردا!

والبعض ينسى ما لا يجب ان يُنسى: بوتين بدأ في الشيشان مطلع القرن الحادي والعشرين مساره الدموي الكاسح. وسيمر بعض الوقت قبل ان يتكشف معنى هذا الكلام وتفاصيل "المعارك" التي انهت مشروع تلك الجمهورية والفظاعات التي سُجلّت آنذاك! ثم ظهر شيء عملي من ذلك المسار في جورجيا عام ٢٠٠٨ وبعدها في القرم عام ٢٠١٤ وان لم تحصل معارك عسكرية هناك لكن تبعاتها سرعان ما انفجرت في حرب انفصال دونباس والشرق الاوكراني عن الكيان الوطني!

اليوم يرفع ساكن الكرملين الاداء الى مستويات اعلى وغير معقولة. ويفترض على عادة الشموليين من امثاله والمعبئين بقيم ذاتية مرّكبة تختلط فيها العزة القومية بالعزة الشخصية والتاريخ بالجغرافيا والنفوذ الخارجي بدوام صنوه الداخلي ومفردة اعادة فرض احترام "الامة الروسية" بالقوة، والبحث عن تنشيط المجال الحيوي للامن القومي على حساب دول واقوام اخرى، يُفترض ان تكون تابعة لا مستقلة... ثم الايمان الذاتي بدور خلاصي وقدري (شبه الهي!) ذلك وغيره الكثير يدفع الاحيائي ساكن الكرملين الى حسابات خطيرة مبنية على فرضية (وحقيقة) ضعف وارتباك الولايات المتحدة، كي يستمر في نهجه المرسوم لاستعادة اوكرانيا الى حظيرة النفوذ الروسي! وتصحيح خطأ تاريخي تأتى عن انهيار الاتحاد السوفياتي!

وفي هذه السيرة مع هذا النوع من الطغاة والخلاصيين لا تنفع التنازلات الفرعية: اذا قبل الغرب شرط روسيا بمنع انضمام أوكرانيا الى الناتو (وهذا ممكن ضمنا) فسيستمر السيد بوتين بالتقدم وليس التراجع وسيعمل كل شيء تقريبا لتخريب السلطة المركزية في كييف حتى يسيطر عليها بواسطة اتباعه وصناعه مثلما هو الحال مع لوكاتشينكو في بيلاروسيا مثلا لا حصرا.

... اميركا الضعيفة تعني عالما من دون شرطي وهذا يعني في المبدأ والتفاصيل فلتان الشر على وسعه! واحتقار سوية العيش، وتحويل قانون الغابة الى نهج وسلوك، ودفع الطغاة الى ذرى اعلى من الاوهام المدمرة التي كان الظن ان الحداثة أنهتها وان نظام السوق انتصر على الادلجة المتأتية عنها!

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us