رفيق الحريري.. “رجل الإطفاء” السياسي

حسناء بو حرفوش

صفحات مغبرة في نسخ متعددة لكتب التاريخ اللبناني… فيها ما فيها من غنى ولكن بانتقائية. التاريخ آخر الأولويات في تنشئة أجيالنا خلا بعض المحاولات لفرض نسخ ترضي طرفاً أو سواه. ما يجب المباشرة بالاعتراف به هو أن التاريخ اللبناني ما زال طور الكتابة بسبب الجروح التي لم تلتئم والقبور التي ما زالت مفتوحة، وكلما حاول أحدهم إضافة ورقة مشرقة، بات هدفاً لأعداء الحياة. وفي كل هذا الظلام والخوف، شعلة من المنطق.. سطر فيها الشاعر اللبناني العالمي صلاح ستيتيه في مذكراته، إجماعاً قل نظيره على شخصية طبعت قصة لبنان… رفيق الحريري “رجل الإطفاء السياسي الذي حظي باحترام المنافس قبل الحليف”.

تاريخ حي

وإذ يفترض منطق الزمن الهارب، بأن آخر خيوط الحكايات تنضب وتذوي مع رحيل أبطالها، تخط قصة الرئيس الشهيد استثناء جديداً… ١٤ شباط ليس ذكرى إنما عبرة ننهل منها في كل عام، وتستحيل أمكنة ومحطات نتوقف عندها أو تغير في واقعنا على الرغم من كل المواقف. هي بقعة حية في الماضي ونقطة تاريخ وتأريخ مستمرين.

بالعودة الى الماضي، هي وجهة الوحدة وتجمع كل اللبنانيين حول رفض المس بالكرامة… “رجل الإطفاء” الشهيد أطفأ حتى برحيله، نيران الفتن والحرب التي تقطع أوصال الأخوة. أجمع الكل على انسانيته فأتى في العام المشؤوم، تنظيم جنازة الإنسان.. الإنسان اللبناني كما تخيله الشهيد دوماً، الجامع للأديان على وقع الصلوات في الجوامع وفي الكنائس وعلى أنغام الألحان العفوية والصرخات الشعبية. من أين يأتي كل هذا الحب؟.

إن لم يكتب التاريخ كل هذا الحب، سيفقد التاريخ نفسه مصداقيته. فلا عبثية ولا تخطيط قادر على محو حدث محوري قلب فيه شخص حياة بلد بأكمله. ولا يرتبط التوصيف بشهيد رحل وإنما بشهيد غيّر على مدار الزمن بوصلة لبنان ووضعه على الساحة العالمية. وغني عن إعادة سرد إنجازات الشهيد على مستوى التعليم والاقتصاد والحياة الاجتماعية والتعايش والبنى التحتية، التغيير مستمر وكأن الحريري وضع وصية حول هوية لبنان… لبنان الحرية. يلحظ ستيتيه في هذا السياق، صدى “الحرية” في اسم الشهيد نفسه.

في الكتب التي تنهل رواياتها من التاريخ، يتقاطع وصف الحريري مع صورة “البطل المؤسس”، الذي يأتي لينقذ البلد من الدمار وليبني للمستقبل. وقلما يتوقف وصفه عند التصوير الشخصي بينما يتمازج مراراً وتكراراً مع الهوية الوطنية حد الذوبان. كيف لا وهو الذي استثمر صيته الذائع في العالم ليمد جسور التواصل بين لبنان ودول العالم، وهو أمر كم نفتقد إليه في هذه العزلة المريرة؟ كيف لا وهوية الحريري الشخصية ألهمت الكثير للهوية الجماعية اللبنانية. يحتفي ستيتيه في معرض ذكره للشهيد في مذكراته، بالجهود التي لم يوفرها للتغلب على كل شرارات الحرب، وهو الذي كان بالكاد يطفئ ناراً لتشتعل نيران جديدة في هذا البلد المسكين… حتى غادر لتتحول نيران التفجير شعلة للبقاء وشاهداً أبدياً على امتزاج هوية الرجل بالبلد.

شريعة الغاب

وبينما قد يربط كثر هذه المحطة المفصلية في تاريخ لبنان بتجليات شريعة الغاب بأعنف أشكالها وبانتصار الفوضى والزيف على الحق، أثبتت الأعوام أن الإيمان الراسخ بهذه الشخصية العالمية يقلب كل معادلات الشر وشرارات الفتن إلى تمسك أكبر بالاعتدال وبالتعدد. ترى لبنان اليوم وأكثر من أي وقت مضى رهينة الخوف، بينما تبقى ذكرى الشهيد الكبير مصدر طمأنينة وبوصلة أمان كي لا يحيد أحد عن الطريق.

لقد جنّد الشهيد الحريري مئات الآلاف… وأكثر، بالعلم لا بالسلاح الموجه نحو الأخوة. لقد أنشأ تياراً تجاور على مكاتبه الماروني مع الكاثوليكي مع الشيعي ومع السني. وبنى الصروح للجميع، لكل الأطياف ولكل الأديان. فكيف يرحل؟ وكيف قد يدّعي أي كان أن شريعة الغاب قد انتصرت؟ أفمن يذكر اليوم وكأنه ارتشف فنجان القهوة الأخير للتو؟ أفمن يربط اسمه مع كبار العصر اللبناني الذهبي؟ أيموت من إذا ذكر اسمه حول المعمورة، يدرك الأجنبي قبل العربي أنه رفيق لبنان؟.

إن قصة الشهيد الحريري من أروع القصص التي قد يشاركها التاريخ أو التي قد يرويها الأهل لأبنائهم قبل النوم في بيوت مظلمة وبعد الاستيقاظ على صقيع وبرادات فارغة، لتغذية الروح بكثير من الأمل بأن المستقبل باق… سيذكر الرئيس الشهيد من المعارض قبل الموالي كلما غربت شمس ندم جديدة وكلما لاح وميض حلم…

شارك المقال