انتفاضة 2019 الى فوضى 2022... مشاهد درامية متنقلة

سياسة 28 نيسان , 2022 - 12:02 ص
ثورة

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

ليست الأحداث اليومية من عمليات نشل وسرقة وقتل واطلاق نار وخطف، والتي حسب الاحصاءات ارتفعت وتيرتها بشكل كبير في الآونة الأخيرة، من شيم وثقافة اللبناني الذي تعود أن يعضّ على جرحه مهما نزف، ويتحمل في صمته كل أنواع العذاب من دون أن يفكر في لحظة ضعف ومرارة في اللجوء الى مثل هذه الجرائم التي كانت محصورة بفئة صغيرة جداً في مجتمعات وبيئات معينة. هذا كان في الماضي القريب حين كانت غالبية الناس مقتنعة بأقل قدر من مقومات الحياة، متسلحة بالأمل وبالايمان بأن المقبل من الأيام سيكون أفضل وأكثر اشراقاً وانفراجاً، ولكن لم يخطر في بالها للحظة واحدة أن الطبقة السياسية ستضعها في مركب واحد، مثقوب بكل أنواع الفساد والسمسرات والصفقات والسرقات، تتقاذفه أمواج مصالحها وأنانيتها ولامبالاتها العاتية، وبمدّ وجزر أزمات اختلقتها ورفعت رايات نصرها من دون أن يرف لها جفن، لا بل أكثر وصل بها الأمر الى وضع رهائنها أمام خيارين لا ثالث لهما: الموت البطيء أو الموت الأبطأ.

السلطة تتعامى عن مشاهد شباب يفضل رمي نفسه في أحضان البحار على أن يستمر في نار جهنم، وتدير أذنها الصماء عن التقارير الدولية التي تشير الى أن 80 في المئة من الشعب اللبناني بات فقيراً وأن الأطفال مهددون صحياً وغذائياً، و"تطنش" عن أنين بلد وأهله، بشيبه وشبابه، تحملوا أكثر من أيوب تداعيات أزمات لامتناهية وغلاء فاق وتخطى كل العمليات والقواعد الحسابية من ضرب وجمع ثم جمع وضرب حتى أنهم باتوا على الرمق الأخير وأمام مصير إن لم يصنعوه بأيديهم، فعلى الدنيا والبلد السلام.

صحيح أن غرق المركب في طرابلس أدمى القلوب وأبكى الجميع، الا أن هذا الغرق ليس سوى عينة من بلد غارق على امتداد مساحته الجغرافية، ولا يبدو أن أحداً مهتم برمي سترة نجاة لانقاذه وانتشاله وسحبه الى الشاطئ. واقع مرير يحذر كثيرون من تداعياته، وكانت شرارته الأولى في طرابلس التي اشتعلت غضباً على مصير أبنائها في البحر، لكن هذا الغضب ليس ابن ساعته على الرغم من الفاجعة، بل جاء على خلفية حرمان مزمن تعاني منه المدينة الأفقر على البحر المتوسط والتي أصبحت كل المدن والبلدات اللبنانية تجاريها في الفقر. والأخطر من كل ذلك أن الناس يشعرون أنهم متروكون لمصيرهم، وهم في واد والمسؤولون في واد آخر، يتسابقون الى تقاسم الحصص في أقرب موعد دستوري.

ووفق خبراء، فإن الغضب في طرابلس لن يبقى محصوراً في المدينة بل سيكون الشرارة الأولى لغضب في كل الشوارع وكل المناطق قد يتحول الى فوضى أمنية نعرف كيف تبدأ ولا أحد يعرف كيف تنتهي. وبالتالي، هذه الفوضى ستكون بمثابة موجة ثورة ثانية لا تشبه ثورة أو انتفاضة 17 تشرين لأنها ربما تكون أخطر وأكثر عنفاً فالناس جائعة ومختنقة، ومداميك التحمل تتدحرج الواحدة تلو الأخرى، والكل يريد معاقبة السلطة. وربما تكون هذه الفوضى قبل الانتخابات النيابية التي يؤكد الجميع أنها قائمة في موعدها لكن لا أحد يعرف كيف وأين ومتى تبدأ وكيف تتنقل وتتطور بحسب تأكيد الخبراء الذين يستشهدون بما قاله أحد الناجين من الغرق: "لبنان لم يعد قادراً على الجمع بين الشعب وأهل السلطة، وأحدهما يجب أن يرحل إما الى عالم آخر وإما الى العالم الآخر. هذا البلد لم يعد يتسع للشعب والسلطة معاً. اما نحن واما هم".

وفي وقت أكد ناشطون في الثورة أنهم لن يسكتوا في حال تخطي الاجراءات القانونية في التعاطي مع قضية الناشط ايلي هيكل بعد "الدفشة" التي قام بها تجاه وزير الطاقة وليد فياض، وأنهم لن يسمحوا بتربية الناشطين به، سألوا: كيف يتضامنون مع الوزير، ويخافون على مشاعره ولم يأبهوا لكارثة انسانية، والكثير من بينهم لم يتضامن مع أهالي الغرقى حتى ولو بكلمة؟ لماذا هالهم مشهد " الدفشة" ولم تهزهم سرقة أموال المودعين، ولا اذلال الناس في أكلهم وشربهم وصحتهم، ولا مشهد الضحايا التي تسقط كل يوم بسبب السلاح المتفلت، ولا مشهد عملية اغتيال التحقيق المستمرة في انفجار المرفأ، ولا واقع أن يكونوا شهود زور على انهيار الدولة وتفكك إداراتها؟

واقع مظلم ومعطيات متداولة بين الجميع الذين يسألون الى متى؟ والى أين؟ في ظل الانهيار والغلاء الفاحش. ووسط كل هذه السوداوية، هل نحن ذاهبون فعلياً الى فوضى متنقلة تكون موجة ثورية أخرى لا تشبه الثورة الأولى في 17 تشرين؟ وما تداعياتها؟ ومتى ستحصل؟ وكيف ستتصرف القوى الأمنية في حال حصول ذلك؟

أشار الناشط السياسي والصحافي سمير سكاف الى "أننا نواجه انهياراً مالياً كبيراً وارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار ستكون لهما أبعاد خطيرة، كما نواجه شللاً ومشكلات تهدد القطاعات والمهن كافة وموظفيها والعاملين فيها وليس آخرها ما يجري مع المحامين وموظفي المصارف وسواهم. الدولة تغرق بأكملها وليس المركب في طرابلس فقط، وكلما غرقت الدولة كلما اختنق عدد أكبر من الناس".

وقال سكاف لموقع "لبنان الكبير": "سيناريو أسود ينتظرنا بحيث سندخل في سلسلة أزمات، وسنرى مشاهد درامية تتكرر وتتنقل من منطقة الى أخرى لأن الشعب الذي صمد خلال السنوات الماضية وصل الى الذروة في التحمل. البلد اليوم كبناء تتدحرج أحجاره الواحدة تلو الأخرى بحيث وصلنا الى الأحجار الأخيرة قبل الانهيار الكلي".

ورأى أن "الأمور لن تبقى على ما هي عليه الى أجل غير مسمى، وحسب المعطيات والوقائع، فإن ما نعيشه اليوم جنة لما سيكون عليه الغد القريب. التدهور على المستويات كافة سينعكس على الأرض بفوضى مرتقبة، وبدأنا نصل الى هذه المرحلة التي ربما تكون قبل الانتخابات وربما بعدها لكن الأكيد أن ما بعد 15 أيار ليس كما قبله"، معتبراً أن "القوى الأمنية تعاني كسائر الشعب، وفي حال حصلت الفوضى هناك تخوف من العديد في صفوف العناصر الذي لا يعود بمقدوره الوصول الى المخافر والثكنات".

من جهته، لفت المدير التنفيذي في "مركز استراتيجيا للدراسات والاحصاء" مروان الأيوبي الى "أننا سنرى فوضى أمنية في هذه المرحلة وصولاً الى الانتخابات النيابية اذا حصلت في موعدها لكن السلطة ستضبط هذا التفلت الأمني قدر المستطاع، ولكن بعد الانتخابات سيكون الارتطام الكبير والفوضى والتفلت الأمني الدموي لأن الناس جائعة، والجائع لا يرحم أحداً. هذه الفوضى لن تكون كما انتفاضة 17 تشرين لأنه حينها كانت الناس مرتاحة الى حد ما أما اليوم، فالناس جائعة والغلاء فاحش ولا تدابير انقاذية".

ورأى أن "الأمن اليوم ليس ممسوكاً كما يقال، وهذا سيؤدي الى ما هو أخطر وأكثر عنفاً ودموية خصوصاً أن السلطة بإجراءاتها وتأجيلها لكثير من الأمور المهمة تزيد من حجم الشرخ في الشارع".

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us