متى انتخب الموارنة رئيساً للجمهورية؟

سياسة 8 آب , 2022 - 12:03 ص
كرسي قصر بعبدا

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

منذ أن أعلنت دولة لبنان الكبير والذي كان للبطريرك الراحل الياس الحويك الدور الكبير في تأسيسه وإعلانه، اختلف القادة الموارنة في ما بينهم على هوية من سيكون رئيس الجمهورية اللبنانية الحديثة الولادة، وبسبب هذا الخلاف رسا الأمر على اختيار الأرثوذكسي شارل دباس ليكون أول رئيس للجمهورية، التي وعدت دولة الانتداب فرنسا الموارنة بأن تكون الرئاسة لهم.

وتكرّر الأمر لاحقاً مرات عديدة قبل نيل لبنان استقلاله عن فرنسا في العام 1943، فكان الرؤساء ألفرد نقاش وأيوب تابت وبترو طراد، وهم من غير الموارنة الذين غرقوا في الخلافات خصوصاً بين الكتلويين برئاسة اميل اده والدستوريين برئاسة بشارة الخوري.

لم يختلف الأمر كثيراً بعد الاستقلال، فعقب إعلان الميثاق الوطني الذي ثبّت الرئاسات الثلاث بين الموارنة والشيعة والسنة، لم يكن اختيار الرئيس الماروني يقع على عاتق زعماء الموارنة السياسيين أو الروحيين بل باتفاق ورعاية من الطوائف الاسلامية ودعم خارجي عربي ودولي.

وهكذا لعب الرئيس الراحل رياض الصلح السني العروبي دوراً كبيراً في اختيار الشيخ بشارة الخوري ليكون الرئيس الماروني الأول للجمهورية بعد الاستقلال في العام 1943 وقرّر التمديد له في فترة ثانية عام 1949، لكن الفساد الذي كان سمة الفترة الرئاسية الأولى ولاحقاً في الفترة الثانية التي لم تكتمل بسبب شقيق الخوري "السلطان" سليم، كان السبب الرئيس في قيام الثورة البيضاء في العام 1952 بقيادة الزعيم الدرزي كمال جنبلاط، فاستقال الخوري تحت الضغط الشعبي وانتخب "فتى العروبة الأغر" كميل شمعون رئيساً.

وكانت فترة شمعون الرئاسية مدعومة من القادة المسلمين في ظل معارضة شديدة من البطريرك الماروني الراحل بولس بطرس المعوشي الذي أطلق عليه شمعون لقب "محمد المعوشي" نظراً الى توجهاته العربية خلافاً لنظرة شمعون الذي انقلب على كل المبادئ التي أوصلته إلى الرئاسة، وحاول فرض التمديد له لولاية رئاسية ثانية غير أن هذه النزعة التي يبدو أنها سمة ترافق كل رؤساء الجمهورية، كانت السبب في اندلاع ثورة 1958 ووصول قائد الجيش الأمير اللواء فؤاد شهاب إلى الرئاسة بدعم من الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر وتوافق أميركي - أوروبي عليه، ولم يكن للموارنة أي دور في اختياره.

وشارل حلو الذي انتخب رئيساً في العام 1964 بعد الرفض القاطع من شهاب لتمديد ولايته، اختير كتسوية بعدما اختلف الموارنة "الأقوياء" الشيخ بيار الجميل والعميد ريمون اده والرئيس كميل شمعون في ما بينهم على من يجب أن يضع حداً لعهد المكتب الثاني الذي تدخل في السياسة الداخلية بصورة كبيرة، فكان المسلمون في لبنان ميالين إلى انتخاب حلو وهكذا كان.

وتكرّر خلاف "الحلف الثلاثي" في العام 1970 فوقع اختيار "تكتل الوسط" بقيادة الرئيس صائب سلام على سليمان فرنجية ليكون مرشحاً للرئاسة، وفاز الأخير في المعركة الديموقراطية الوحيدة التي جرت في انتخابات الرئاسة بفارق صوت واحد ضد منافسه الياس سركيس، وكان صاحب هذا الصوت الزعيم الدرزي كمال جنبلاط.

ومع اندلاع الحرب الأهلية المشؤومة قبل نهاية عهد الرئيس فرنجية، والوجود الفلسطيني المسلح في لبنان والرغبة العربية في التدخل لوقف الحرب، جاء الياس سركيس كرئيس تسوية لادارة الأزمة وبموافقة سوريا التي بدأ نفوذها يتعاظم في لبنان نتيجة دخول قوات الردع العربية إليه.

أما انتخابات العام 1982 والتي جرت في ظل الاحتلال الاسرائيلي ووصل بموجبها الرئيس الراحل بشير الجميل إلى سدة الرئاسة، فلا يمكن إغفال الدور الاسرائيلي فيها ولا الدور المحوري الذي لعبه رئيس مجلس النواب الراحل كامل الأسعد في تأمين نصاب الجلسة وانعقادها، ولعلها كانت المرة الأولى التي يصل فيها الماروني "القوي" إلى السلطة، لكن الجميل اغتيل بسبب تشبّثه بمبدأ الـ 10452 كيلومتراً مربعاً والسيادة والاستقلال ما سبّب له خلافاً كبيراً مع الاسرائيليين فدفع حياته ثمناً لذلك.

ولا تختلف ظروف انتخاب الشيخ أمين الجميل عن ظروف شقيقه، لكن الطامة الكبرى كانت مع قرب انتهاء ولايته الرئاسية في العام 1988 بحيث اختار قائد الجيش العماد ميشال عون ليرأس حكومة انتقالية تؤمن انعقاد مجلس النواب لاختيار رئيس جديد للجمهورية، فاستوطن في قصر بعبدا وتمترس فيه رافضاً انعقاد مجلس النواب لانتخاب رئيس جديد ما لم يكن هذا الرئيس شخصه الكريم.

وبعد اتفاق الطائف والاطاحة بعون والحروب الداخلية التي شنّها وأدّت إلى شرذمة المسيحيين وإضعافهم، وبعد تعاظم نفوذ الاحتلال السوري للبنان، لم ينتخب أي رئيس للجمهورية منذ العام 1989 إلا وكان من خيار الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، وخياره يتجاوز القيادات المارونية وحتى الاسلامية. فكان الرئيس الراحل الياس الهراوي أول المنتخبين ثم مدّد له في العام 1995، وبعدها فرض الرئيس اميل لحود في العام 1998 ومدّد له بشار الأسد في العام 2004 ثم كان اتفاق الدوحة الذي أتى بالرئيس ميشال سليمان بتغطية عربية ودولية قبل أن تدخل البلاد في أطول فترة فراغ رئاسية عرفتها منذ الاستقلال، نتيجة تشبّث "حزب الله" بمرشحه ميشال عون، وما أدراك ما كانت نتيجة هذا التشبّث.

ليس هذا السرد محاولة للانتقاص من الموارنة لا سمح الله، فهم وجه لبنان المشرق والمضيء والمتمسكون به هم المسلمون أكثر من غيرهم، لكن الشعبوية التي برزت مع مقولة "الرئيس القوي" والمطالبة باحترام الارادة الشعبية للمسيحيين في اختيار الرئيس هي السبب الذي يحتّم السؤال التالي: هل احترم المسيحيون الارادة الشعبية الشيعية في انتخاب الرئيس نبيه بري؟ لم يفعلوا! وهل احترموا الارادة الشعبية السنية في الوقوف خلف الرئيس سعد الحريري الممثل الأقوى لهم في لبنان؟ لم يفعلوا!.

بالله عليكم، كفى شعبوية، فالبلد انهار ومؤسساته تتفكك وشعبه لم يذق مهانة مثل التي يعاني منها اليوم، وهناك من لا يزال يكابر ويتناطح على قاعدة "بيي أقوى من بيك". قليل من التواضع رحمة باللبنانيين ورأفة بهم، وعلى الأرجح لن يكون لكم دور في اختيار الرئيس، كما أن انتخابات الرئاسة لم تكن ولن تكون يوماً نهاية هذا الكون. فليأت من هو قادر على إخراج البلاد من أزماتها المتفاقمة وليكن الأصلح لهذه المهمة.

إن المواصفات التي حدّدها البطريرك بشارة الراعي هي الأنجع، ووصول شخصية إلى الرئاسة وفقاً لهذه المواصفات قد يضع لبنان على سكة التعافي وإلا لن يعود هناك بلد ولن تعود هناك رئاسة تتنافسون عليها.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us