غورباتشوف... حين ينقلب السحر على الساحر

سياسة 2 أيلول , 2022 - 12:02 ص

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

البيريسترويكا (إعادة البناء) والغلاسنوست (الشفافية) عنوانان انطلق بهما ميخائيل غورباتشوف الزعيم الشيوعي الذي إنفتح على الغرب وأنهى الحرب الباردة ووقع على حل الاتحاد السوفياتي العظيم قبل أن يتسلم خليفته بوريس يلتسين حكم روسيا.

أثارت أفكار غورباتشوف الكثير من التساؤلات عما اذا كان هدفه الفعلي إصلاح النظام الشيوعي أم تدمير ديكتاتوريات البروليتاريا التي كانت تحكم منظومة الدول الاشتراكية التي تدور في فلكه؟ وهل كانت النية بريئة أم مخططاً لها من النظام الرأسمالي؟ وهل كان طرح هذه العناوين البراقة سينقذ الاتحاد السوفياتي والحزب الشيوعي الروسي والأنظمة المتكلسة في دول العالم الثالث والتي تتخذ من الاشتراكية عنواناً لها اضافة إلى الأحزاب الشيوعية في كل دول العالم التي كانت تتبعه، والتي شكل سقوط الاتحاد السوفياتي ضربة قاضية لها، أدى إلى تراجع نفوذها وقوتها وضعضعة فكرية وتنظيمية كشفت عن هزالها وعدم قدرتها على مسك قضاياها بيدها أو إجراء تعديل وإعادة نظر في الكثير من المسلمات التي حوّلت الشيوعية إلى دين لا يجوز نقدها أو الدعوة إلى اعتماد سياسات أكثر ليبرالية عبر الانفتاح والديموقراطية وحفظ الحريات والحقوق لكل تكوينات المجتمع سواء كانت طائفية أم اثنية أم قومية في مجتمع متعدد؟

بين العامين 1988 و1989 كنت في موسكو، كانت أفكار البيريسترويكا التي طرحها غورباتشوف في العام 1986 تغزو الشارع الروسي وتستقطب الشباب الذي صار يتجمع في الحدائق العامة ويعبّر عن مواقفه بحرية ويسير في ركب التغيير، فيما كان الجيل الأكبر منه ينظر الى الأفكار الجديدة بقلق حول ما إذا كان ممكناً أن ينحو النظام المتكلس نحو الديموقراطية من دون إنهيارات مفجعة تنهي النظام الشيوعي، في حين أن المحافظين ممن شهدوا الحرب العالمية الثانية كانوا لا يخفون ميلهم إلى القديم، على الرغم من الفظاعات التي ارتكبها ستالين بحق كل من شكك به أو خالفه الرأي.

لم تكن الحياة التي كانت تعيشها شعوب الاتحاد السوفياتي سهلة، بل كان هناك الكثير من الصعوبات المعيشية اليومية، طوابير الخبز والزبدة لا تنتهي، كما أن البضائع الأجنبية لم تكن موجودة في الأسواق، والطلاب العرب والأجانب يشترون شهاداتهم أحياناً ببنطال جينز أو كروز "مالبورو" أو زجاجة عطر أو علبة ماكياج.

لم يكن ممكناً إخفاء واقع الحال في ظل ما سمّي الحرب الباردة، لذلك كان لا بد من محاولة للاصلاح وهو ما عمل غورباتشوف على التصدي لها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النظام الشيوعي، الا أن ما تكشف من مشكلات عميقة ومتجذرة مع سياسة العلنية لم تسمح بإعادة ترميم النظام، فكان لا بد من دفعة انفتاح نحو الغرب وهو ما أدى لاحقاً إلى سقوط المنظمة الاشتراكية التي كانت ألمانيا واجهته مع سقوط جدار برلين.

الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي توجهت نحو الديموقراطية وعملت على استغلال طاقاتها الاقتصادية وثرواتها الطبيعية ومن بينها أوكرانيا، بينما صمدت الشيوعية في الصين وكوريا الشمالية وعاندت كوبا فيديل كاسترو سنوات الحصار متحدية رمز الامبريالية العالمية.

ربما لم ينجح غورباتشوف في لجم تداعيات البيريسترويكا على المجتمع الروسي الذي كان عليه تعلم العيش حراً بعيداً عن الايديولوجيا والبروباغندا السياسية، وقد حماه يلتسين من انقلاب دام 3 أيام ثم إنقلب عليه في الوقت نفسه مدعوماً من دول غربية، مما سمح لأجهزة المخابرات، والتي كان الرئيس الحالي فلاديمير بوتين واحداً من أدمغتها في الوصول الى السلطة التي تبادلها مرات مع دميته ديمتري ميدفيديف، وأخيراً أن يتوصل الى ضمانة مستقبله بالبقاء رئيساً حتى العام 2026، بأن تمسك بيد من حديد روسيا وتعود بها الى الوراء ليعيش الشعب الروسي معاناة اقتصادية كبيرة بسبب هيمنة المافيات في الدولة البوتينية، ويعيش اليوم شعبها والعالم مأساة مغامرته في إشعال الحرب ضد أوكرانيا ويتصرف كأنه القيصر الجديد الذي سيعيد مجد روسيا القديم أو تركيب اتحاد جديد.

قد لا يختلف إثنان على أن غورباتشوف كان رجلاً ديبلوماسياً لفت أنظار الغرب إليه منذ توليه السلطة بين العامين 1985 و1991، وأثارت أفكاره حفيظة القوى اليسارية في العالم التي ما زالت تعيش في الأزمة التي تولدت نتيجة سقوط الاتحاد السوفياتي ونمو التيارات الاسلامية لا سيما في العالم العربي، وحلول إيران كمرجعية أو حليفة لقوى وأحزاب جديدة تأسلمت أو بنيت وفق فكر الولي الفقيه أو دفعت بها التحولات الكبيرة مع اختفاء مرجعيتها السوفياتية إلى البحث عن بديل مشابه ولو كان على نقيض ايديولوجيتها العلمانية أم الاشتراكية.

لقد حاول عبر إدخال فكر سياسي جديد أن يحرر الدولة من الايديولوجيا عبر الانفتاح على العالم الغربي وانهاء الحرب الباردة مع الولايات المتحدة، ولم تعد حتمية انتصار الشيوعية واردة عبر اقامة نظام ما سمّي ديكتاتورية البروليتاريا، وغاب سند الأحزاب الشيوعية واليسارية في العالم مما أدى الى تضعضعها فكرياً وتسبب بتراجعها جماهيرياً. وحاول بعض هذه الأحزاب الخروج من ذلك بالتحول الى أحزاب أكثر ليبرالية لا سيما في أوروبا، بينما في دول العالم الثالث والعالم العربي تم التفتيش عن مرجعيات للتعاون معها مثل أنظمة الممانعة والنظام الايراني التي كانت دعمت من قبله لدى انطلاقتها، واعتمدت سياسة التطنيش عن ايديولوجيتها الدينية المناقضة للاشتراكية والشيوعية والقومية.

يحلو للبعض وصف غورباتشوف بالعميل الأميركي الذي قضى على محور الاشتراكية المواجه لمحور الامبريالية العالمية كما يرد في أدبيات ايديولوجيا الأحزاب الشيوعية اليتيمة، من دون النظر الى واقع الاتحاد السوفياتي الذي كان يعاني وكان إنهياره وليدة ظروف موضوعية، فليس كل الجمهوريات على توافق أو رضى على موسكو وقيادتها للاتحاد، كانت هناك جمهوريات تعيش أزمات منها من كان يعتبر نفسه أوروبياً مثل أوكرانيا ولاتفيا وأستونيا مثلاً، ومنها من كان أسير قومية مثل جورجيا أو دينية مثل أذربيجان وأرمينيا وليس بالامكان تفسير كل ذلك في هذه العجالة، لكن مسك روسيا للقرارات كان يهدد بتفجير الصراعات والفوضى في المجتمع السوفياتي ودويلاته المؤلفة وحتى الحرب لم تكن مستبعدة.

كان غورباتشوف صادقاً حين قال: "دعونا نعيد بناء منزلنا المشترك ونجعل الحياة في هذا المنزل مزدهرة وسعيدة".

ربما لم يستطع فرض الحلول المناسبة وإنقاذ النظام الشيوعي من الموت، لكن كان من الواضح أنه لم يكن طامعاً بالبقاء على عرش السلطة، غادر ببساطة الى عالمه العادي وهو حسبما قيل كان يحب زوجته رايسا أكثر من السياسة!

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us