أوروبا أمام فرصة تاريخية: الوحدة والقوة الجيوسياسية

ترجمة, سياسة 20 تشرين الأول , 2022 - 12:11 ص
الاتحاد الاوروبي

 

لقد حولت الحرب الأوكرانية الاتحاد الأوروبي الى درع تعمل الدول الأعضاء من خلاله، على مستويات مختلفة وبصورة وثيقة لحماية مواطنيها من عدم الاستقرار الجيوسياسي. هذا ما يسطره مقال في موقع "بوليتيكو" الالكتروني، يدعو أوروبا الى اغتنام اللحظة التاريخية لاحترام التنوع القومي وصياغة نموذج قوي من شأنه أن يحمي سلامة أعضائه واستقلاليتهم.

ووفقاً للمحلل فيديريكو أوتافيو ريهو، "يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من خلال ضم الأراضي الأوكرانية بصورة غير قانونية وتعبئة جنود الاحتياط وتكثيف التهديدات النووية، الى ترهيب الأوروبيين وكسر وحدتهم. كما يراهن على الاستياء القومي المتزايد على خلفية ارتفاع أسعار الطاقة. ولكن الاتحاد الأوروبي يتطور بصورة متسارعة من مشروع للأسواق الحرة والحدود المفتوحة ليصبح درعاً يحمي المواطنين من عدم الاستقرار الجيوسياسي. أما عن تهديدات بوتين وعدوانه المستمر فهو يساهم في الواقع في تسريع التغيير.

وسجّل هذا التحول الكبير في طبيعة دعم الاتحاد الأوروبي في استطلاع شمل أكثر من 5 آلاف أوروبي، أجراه مركز "ويلفريد مارتنز" للدراسات الأوروبية بالتعاون مع وكالة أبحاثGlocalities  في وقت سابق من هذا العام. وخلص أولاً إلى أن الغزو الروسي جعل الأوروبيين يدعمون بصورة متزايدة الانفاق الدفاعي والتعاون العسكري مع الاتحاد الأوروبي. كما أعادت الحرب إحياء الخطاب التأسيسي للاتحاد كمجتمع قيم ومشروع سلام.

كما رسخت التطورات الوحدة في مواجهة التهديدات الخارجية وانسحبت إلى مجالات السياسة الأخرى مثل المناخ والاقتصاد أي ما يسبق الحرب في أوكرانيا. ويشكل تغير المناخ أحد أهم ثلاثة مخاوف تتعلق بسياسة الاتحاد الأوروبي في جميع البلدان التي شملها الاستطلاع. أما في السياق الاقتصادي، فتبرز حماية المواطنين من "المنافسة الاقتصادية غير العادلة" من خارج الاتحاد الأوروبي، وتنظيم الأسواق لمنح العمال والمستهلكين الحماية الكافية، كأهم هدفين للأوروبيين على المدى الطويل.

ويعد هذا تغييراً جذرياً في تعريف الاتحاد الأوروبي كما يتزامن هذا الزخم المتزايد للوحدة الأوروبية مع نهاية المؤتمر حول مستقبل أوروبا والمقترحات المهمة المطروحة لاصلاح السياسات والمؤسسات. ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين هذا الشعور بالحاجة إلى وحدة أقوى في الاتحاد الأوروبي والعمل العالمي وبين الاختيار لصالح مركزية الاتحاد في جميع المجالات، على غرار ما يقوم به بعض المدافعين عن "الولايات المتحدة الأوروبية".

وتُظهر نتائج الاستطلاع أن الرغبة في زيادة الوحدة الخارجية ضد التهديدات المشتركة تتوافق مع طلب قوي بالقدر نفسه لاحترام التنوع الداخلي للاتحاد الأوروبي. وفي ما يتعلق بالاقتصاد، على سبيل المثال، لا تزال هناك معارضة قوية للغاية في دول شمال غرب الاتحاد الأوروبي. وتقابل المخاوف الجدية بشأن تغير المناخ أيضاً بمخاوف من ارتفاع تكاليف المعيشة وانخفاض استعداد جزء كبير من السكان لدفع أسعار طاقة أعلى من أجل التحول إلى الطاقة الخضراء. كما يخفي الإجماع الظاهر على قيم الاتحاد الأوروبي ودعم حماية سيادة القانون في جميع الدول الأعضاء - بما في ذلك المجر وبولندا - اختلافات مهمة بين البلدان وداخلها. وتتعلق هذه الخلافات بمسائل مهمة، مثل إلى أي مدى يجب أن يمتد حكم القانون والحقوق الأساسية في الاتحاد الأوروبي ليشمل القضايا الأخلاقية المثيرة للجدل، مثل سياسات اللاجئين والقيم الأسرية وحقوق الأفراد من مجتمع الميم وقضية الاجهاض. ومن المرجح أن تؤدي عملية صنع القرار المركزية في الاتحاد الأوروبي والنشاط السياسي في كل نقطة من نقاط الانقسام الداخلية هذه إلى نتائج عكسية وقد تهدد مصداقية الاتحاد الأوروبي وفعاليته في الموضوعات الحيوية التي يبدي مواطنو الكتلة اتحاداً أكبر حولها.

وتم تأطير مستقبل الاتحاد الأوروبي في كثير من الأحيان، منذ أزمة منطقة اليورو، كخيار بين الرؤى المتنافسة للفيدراليين في الاتحاد الأوروبي والقوميين الشعبويين. ومع ذلك، توضح الحرب في أوكرانيا كيف يتعارض ذلك بصورة متزايدة مع الواقع. فقد أكدت "لحظة كييف" أن عضوية الاتحاد الأوروبي فاعلة وتعمل كضامن للهوية الوطنية والاستقلال. وتُظهر نتائج الإستطلاع أن جميع البلدان المتاخمة لروسيا تشترك في النمط نفسه: مستويات عالية من الفخر الوطني إلى جانب مستويات عالية من الثقة في الاتحاد الأوروبي".

وقد يمثل هذا أخيراً نهاية "لحظة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي"، حيث ظهر الانفصال باعتباره السبيل الوحيد للتأكيد على الاستقلال الوطني. ولكن من أجل ذلك، يجب ألا يقف الاتحاد الأوروبي متحداً فحسب، بل عليه أن يحترم التنوع أيضاً، فهو بحاجة، من ناحية الى مقاومة ابتزاز بوتين في ملف الطاقة، وتطوير قدرات دفاعية حقيقية، والقدرة على استخدام نفوذه الاقتصادي كقوة جيوسياسية مسؤولة. ومن ناحية أخرى، عليه تقييد دوافعه المركزية في الأمور التي يفضل تركها للنقاش الديموقراطي الوطني واحترام التنوع في القضايا المثيرة للجدل. وستعتمد قدرة الاتحاد الأوروبي على النهوض كقوة جيوسياسية على قدرة القادة الأوروبيين على تحقيق توازن بين احترام التنوع الثقافي وهوية أعضائه والدافع الى توحيد وحماية أسلوب الحياة الأوروبي القائم على السلام والديموقراطية والحرية".

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us