بيروت عصيّة على الانجرار وراء الحملات الفتنوية

سياسة 13 كانون الأول , 2022 - 12:04 ص
وسط بيروت

 

"أخشى على البيروتيين من الاختناق، من شدة العناق، عندما تزال خطوط التماس الوهمية التي كانت تفصل خلال الحرب العبثية المدمرة بين شطريها الشرقي والغربي..."

عبارة طالما رددها الزعيم البيروتي إبن سليل العائلة والبيت السياسي البيروتي العريق بوطنيّته وعروبته المرحوم الرئيس صائب سلام، في ذروة المعارك التي كانت تدور رحاها بين الشطرين.

هذه العبارة العميقة بدلالتها، كافية لأن تشكّل توصيفاً دقيقاً للعلاقة الوطيدة التي تربط العائلات البيروتية في ما بينها من دون أيّة تفرقة مهما كان شكلها، حتى شكّلت النموذج اللبناني التعايشي اختيارياً، وكأنّه قدر محتوم، فاحتذى به جميع اللبنانيين، الذين اجتمعوا وأجمعوا على تأسيس "لبنان الرسالة" القائم على العيش الواحد والوحدة الوطنية، والذي شكّل ظاهرة فريدة في محيطه.

فبيروت هي مدينة التعايش والانفتاح والتلاقي والتنوّر والتصاهر بين مختلف عائلاتها.

ليس الهدف من هذه المقدمة التأكيد على هويّة بيروت الحضارة والتاريخ، بل هي رسالة لكلّ الذين يحاولون المراهنة (ممن لا يعرفونها) على استدراج بيروت وأهلها الى الفتنة الطائفية، في إطار المخطط المنظّم والممنهج للاطاحة بموقعها ودورها التوحيدي الجامع في المعادلة الوطنية التاريخية، منذ نشأة دولة لبنان الكبير، مما جعلها منذ ذلك الحين ليست مجرد عاصمة، بالمعنى الجغرافي للبنان، بل عاصمة للوظيفة المركزية للدولة ولمؤسساتها الدستورية والادارية، ولحجم الدورة الاقتصادية والانتاجية، ولمدى الاستقرار الاجتماعي والمعيشي.

توقيت هذا الكلام مرده الى ما قامت به مجموعة من الفتية "الزعران" الذين لا يمتون بصلة إلى البيئة البيروتية، من عراضة مسيئة وإستفزازية في منطقة الأشرفية، التي هي كباقي المناطق البيروتية ليست منطوية على ذاتها ولا معزولة، بل كما كلّ منطقة في بيروت فسيحة رحبة ومرحبة بكلّ بيروتي من أيّ منطقة كان، يجد فيها ملاذه بكلّ أمان وترحاب.

فهذه العراضة المرفوضة والمستهجنة، ليست لأنه ممنوع دخول الأشرفية لمن هو من خارجها، بل بسبب السلوك المشين التي ارتكبته حفنة من الزعران، قيل إنهم أُحضروا من الطريق الجديدة للقيام بما قاموا به من إساءات لا تشبه أخلاقيات أبناء الطريق الحديدة ولا تعبّر عنهم ولا عن ثقافتهم الاجتماعية. وهذا أمر بالتأكيد يعرفه ويدركه أهالي الأشرفية تمام الادراك، بأن ثمة جهات معروفة الأهداف والنيات هي من تقف وراء ما حصل، مجنّدة بعض فتية الطريق الجديدة للتمويه.

إلا أن الخطير في الموضوع استغلاله من بعض القوى الفئوية العنصرية الحاقدة، التي لا تحيا إلا بإطلاق الحملات والشعارات التي من شأنها تأجيج المشاعر الطائفية، خدمة لمشروعها الهدّام، الهادف إلى تقسيم العاصمة على أساس طائفي، تحت مسميات مبطّنة، على الرغم من إدراكها استحالة تقسيم بيروت الذي عجزت عنه الحرب العبثية، وذلك بفعل صلابة موقف البيروتيين جميعاً أمام هذا التوجّه الانتحاري، وهم الحريصون أشدَّ الحرص على وحدة مدينتهم ونسيجها الإجتماعي.

لذلك، مطلوب صحوة بيروتية عارمة، والتسلّح بالوعي، وعدم الإنجرار وراء الحملات الفتنوية.

كذلك مطلوب أيضاً من الفعاليات البيروتية من مختلف المجالات تحمّل المسؤولية، والدعوة السريعة الى عقد لقاء موسع يشكّل إطاراً مرجعياً وازناً وموثوقاً، يحدّد المرتكزات الأساسية المطلوب الالتزام بها والعمل بمقتضاها، بما ينسجم مع أصالة بيروت وهويّتها التاريخية والتراثية، ويعبّر عن توجهاتها وقناعتها الوطنية الوحدوية الجامعة لكلّ مكوناتها المجتمعية، وذلك لتفويت الفرصة أمام المتربصين الأشرار، الذين يحاولون تنفيذ مخطط مبرمج للنيل من وحدتها، وإحداث الفرقة بين أهلها وعائلاتها.

فبيروت التي كانت عصيّة على التقسيم طيلة فترة الحرب، لن تنجر في زمن السلم الأهلي وراء الحملات الفتنوية.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us