“هوّة سياسية سحيقة” في طرابلس… ما دور باسيل؟

إسراء ديب
إسراء ديب

لا يذكر أبناء طرابلس أيّ تحرّكات أو مواجهة ما خاضها أحد السياسيين الشماليين من أجل النهوض بهذه المدينة التي واجهت الويلات وحدها، بعيداً عن أيّ شكل من أشكال الحسم السياسي والأمني الذي يمكنه حلّ مشكلاتها وأزماتها المختلفة.

وقد يكون عدم خوض معظم السياسيين لا سيما القدامى منهم في شؤون مدينتهم ومدّ يد العون لها بالشكل المطلوب، يُفسّر جزئياً عدم اندفاع أهالي المدينة الى الدفاع عن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي بعد سجال متبادل بينه وبين رئيس “التيّار الوطني الحرّ” النائب جبران باسيل، إذْ بادلوا ذلك بالصمت حيناً وبالتهكّم حيناً آخر، مع العلم أنّ ما يُعرف عن الطرابلسيين عموماً هو دفاعهم “المستميت” عن كلّ ما هو طرابلسيّ والتهجّم باستمرار على كلّ ما هو عوني.

في الواقع، إنّ ما يحصل مع الرئيس ميقاتي يلفت إلى مؤشرات عدّة أبرزها سياسيّة، وهي تطرح إشكالية تُشير إلى المصير غير المقبول لمعظم سياسيي طرابلس في ظلّ هذه الأزمة القاهرة، ومع أنّ الموقف الطرابلسيّ هذا كان ظهر جلّياً منذ غياب أيّ مظاهر احتفالية بتولّيه رئاسة الحكومة، كما مع غياب أيّ موقف داعم جديد لأيّ سياسي آخر في المدينة نظراً الى الملل الكبير من هذه الطبقة السياسية التي لم تجلب “قرشاً” استثمارياً وتجارياً واحداً للفيحاء، يُمكن القول إنّ المدينة لم تعد سنداً شديداً لهذه الشخصيات التي لم تتمسّك بها وبقضاياها بقدر ما اهتمت بالسياسة ومناصبها والتركيز على بيانات الأخذ والردّ.

إنّ “الثبات الانفعالي” لأهالي طرابلس لا يعني أبداً السماح لباسيل بالتسلّل إلى المدينة، وبالتالي إنّ هذا الصمت الذي ساد الساحة الطرابلسية يعني الكثير على الصعيد السياسيّ و”الميقاتي” تحديداً، لكنه لا يعني في الوقت نفسه أبداً الموافقة على انقلاب باسيل على رئاسة الحكومة واستهدافه الموقع السنيّ الأوّل، وهي ليست المرّة الأولى التي يُرفض فيها باسيل بتدخلاته وتصريحاته المختلفة التي على ما يبدو أنّه يُخطئ غالباً في عنونتها، إذْ تبقى رئاسة الحكومة خطاً أحمر يصعب تجاوزه.

وكان رفض دخول باسيل إلى المدينة “خلسة” مرات عديدة مع تدخله في شارع مينو – الميناء أخيراً، خير دليل على قلق أبناء طرابلس على مدينتهم التي لم ترتح ليلة من التعدّيات عليها، وفي الوقت عينه، يُدركون في كلّ الأحوال أنّ هذا التسلّل قد حدث ونجح بالفعل منذ أعوام وقد أسهم فيه إهمال سياسيي المدينة وعدم دفاعهم عن حقوقها عبر منع أيّ سياسيّ آخر من خارج المدينة من التطفّل عليها والتعدّي على مرافقها.

وعلى الرّغم من رفض الطرابلسيين لباسيل، إلا أنّه لم يخجل يوماً من إبراز “بعض” هذه التدخلات وكان آخرها منذ ساعات حين كتب على صفحته عبر “تويتر”: “شارع مينو بالمينا – طرابلس، الشغل ماشي وعم يتقدّم من بناية لبناية والشباب، يعطيهم العافية، عم يتابعوه ليل ونهار حتّى يخلص قبل الصيف ليستقبلوا المنتشرين… بس الشغل ما بيخلص، وبيجي بعده”، وهذه التغريدة واجهت انتقادات عديدة، لكنّها لا تُخفي أنّها تُشكّل إنذاراً لبعض السياسيين في مدينة فيها أكثر أثرياء لبنان لم يُقدّموا أيّ مبادرة تُنقذها من رياح الفقر والعوز العاتية.

عموماً، يختزل الطرابلسيون مسيرة ميقاتي السياسية بأنّها بعيدة كلّ البعد عن طرابلس، فقد كانوا علّقوا آمالهم على حكوماته ومكانته السياسية، أمّا الآن فتنقضي مدّته الحكومية بلا إنجاز يُذكر. الأمر نفسه يُطبّق على أيّ سياسيّ طرابلسي آخر استلم رئاسة الحكومة مسبقاً أو أيّ منصب رسميّ لم يُغيّر الواقع الأليم في المدينة، بل غرست الفيحاء في مزيد من الوحول السياسية، الاقتصادية، الأمنية، العسكرية والاجتماعية.

ويستذكر أهالي المدينة قضية قوننة شركة “نور الفيحاء” لإمداد طرابلس بالكهرباء والتي كان أعلنها ميقاتي من دارته في طرابلس عام 2015، وعدم نجاحه في تكريسها قيل حينها انّه يعود إلى قيام “التيّار الوطني الحرّ” بوضع العصي في الدواليب وعرقلة المشروع وعلى رأسه باسيل الذي بات يتحكّم اليوم ولو بصورة غير مباشرة بمفاصل المدينة، كالمحافظة التي تتحكّم بدورها بالبلدية والسراي، بعض المناصب في المرفأ، شركة الكهرباء ومصفاة البداوي التي لا يُمكن إخفاء تولّي “عونيين” أهم الادارات والمناصب فيها، وكان أبرزها منصب المديرة العامّة للنفط أورور فغالي التي كان يرغب باسيل في التمديد لها وفق المعطيات وهذا ما كانت تخشاه أوساط طرابلسية، عدا عن تحكّمه في مرافق مختلفة إدارياً وتسليمها الى تابعيه بدلاً من أهالي المدينة، بغضّ النّظر عن قيام قلّة قليلة جداً من الطرابلسيين بدعمه أخيراً ليحظى بعضهم بمناصب إدارية، في وقتٍ يُمارسون فيه استراتيجية “غضّ النظر” عن مواقفه وتصريحاته الطائفية والعنصرية التي يبثها وينشرها بلا حدود تذكر، في تركيز منه على استهداف رئاسة الحكومة والتحدّث بما لا يليق بسياسي يرأس تياراً سياسياً شهدنا معه أسوأ عهد سياسيّ في البلاد.

شارك المقال